في الإعلام التربوي: الطريق لتعليم التفكير

تم نشره في السبت 28 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً
  • الخبير التربوي الدكتور ذوقان عبيدات-(أرشيفية- تصوير: ساهر قدارة)

د. ذوقان عبيدات *

(1)
الإعلام الرسمي والإعلام الشعبي
ليس من الضروري الكتابة عن أهمية الإعلام ودوره في تشكيل الرأي العام، فهذه أفكار ومسلمات، تم التوافق، بل الإجماع عليها. فالتغيرات العالمية والتكنولوجية قلبت معادلات كثيرة، لعل في مقدمتها، انتقال السلطة الإعلامية من المؤسسات الرسمية (إذاعات رسمية، أقنية تلفزيونية رسمية، صحف.. الخ) إلى الأفراد والجماعات ومؤسسات المجتمع المدني، او ما يسمى بالمواطنين.
كان المواطن حتى القرن الماضي يجلس أمام الإعلام الرسمي ليسمع الخبر، ومع بدايات هذا القرن صار رئيس الدولة يبحث في وسائط التواصل الاجتماعي عن الخبر. كانت الدولة -الحكومة -تضع الخبر، وتفبركه وتذيعه. وكان المواطن ينتظر ويستمع ويصدق، وليس أمامه خيار آخر! أما الآن، فالخبر يصنعه مواطن، ويعلنه ربما دون فبركة.
إذن انتقلت سلطة الإعلام: إنتاجاً وفبركة ونشراً من المؤسسة الرسمية إلى المواطن. وانتقلت معها قيم الحقيقة والصدق والتأثير، فلا مصلحة لمواطن في فبركة "خبر" يمكن ان يكون جزءا بسيطا من الحقيقة. فالمواطن ايضاً له مصالحه وغاياته، وربما كان مخترقاً، يفبرك لصالح جهة وجهاز، ومن هنا عادت الأزمة كما هي، وانتقلت تهمة الفبركة من المؤسسة الرسمية إلى المؤسسة الفردية أو المجموعية، الامر الذي يثير أسئلة حول كيف نستقبل الخبر؟ وكيف نناقشه؟ وكيف ننشره؟
(2)
الإعلام التربوي!
تزايدت أهمية "الإعلامات" القطاعية مع تزايد سلطة الإعلام. فنشأت الحاجة إلى إعلام تربوي، وإعلام صحي وإعلام رياضي.. إلخ. وتقدم الإعلام الرياضي عن سائر القطاعات وصار جاذباً للمتلقي، وصانعاً للخبر، بل ولاعباً أساسياً في الملعب وحكماً رياضياً، ومسوقاً تجارياً، بل ومؤثراً على بورصة اللاعبين وأسعارهم.
فلماذا تقدم الإعلام الرياضي، دون أن نسمع بإعلام تربوي؟ وكم عدد الساعات التي يقضيها مواطن أو شاب أو طفل أمام الإعلام الرياضي؟ وكم يتلقى هؤلاء إعلاماً تربوياً!
إن أي مواطن الآن ممن جذبتهم الرياضة يعرف على مستوى المعرفة: -أسماء الفرق واللاعبين وأسعارهم. -جداول المنافسات وتوقعات النتائج. -أسماء البطولات. -أسماء الملاعب.
بل ويعرف قصات شعر اللاعبين، وأسماء صديقاتهم، وخططهم المستقبلية. لا نسأل لماذا لمجرد السؤال، بل للوصول إلى ما يسمى "بالتعتيم التربوي" فكم منا يعرف: -قانون التربية، واهداف التعليم. -شروط اجازة المعلم. -مهام مجلس التربية.
-خطط التربية المستقبلية.
بل من يعرف أسماء خمسة من وزراء التربية؟ او اسم قائد تربوي أو خبير تربوي، او مدير انجز او معلم اكتشف؟ لماذا اقتصرت معارفنا على أسماء العشرة الأوائل في التوجيهي، ونسب النجاح والرسوب؟ لماذا لا نعرف ماذا يتعلم أبناؤنا؟ وماذا تحتاج منا مدارسنا؟ وماذا يقول المعلمون لأبنائنا؟ وما مشكلات معلمينا؟ ولماذا لا يتلقى معلمونا تدريباً رغم وجود اكاديميات ذات السمعة المحصنة؟ لماذا لا يوجد برنامج تربوي واحد في تلفزيوناتنا؟ لماذا لا توجد صفحة تربوية في كل صحافتنا؟
ليس هناك أي حراك مجتمعي لصالح العمل التربوي، فباستثناء -عطف -بعض المسؤولين في صحيفة، لا ينشر أي رأي تربوي! وباستثناء وساطات مع مقدمي برامج تلفزيونية، لا تسمع ببرنامج تربوي!
وإذا حدث، وصارت مفاجأة لبرنامج تلفزيوني، تسمع كلاماً لا علاقة له بالتعليم من أشخاص من الدرجة الرابعة والخامسة وحتى الأولى اجتماعياً لا تربوياً.
(3)
استثناءات نادرة
إن حركة "تحرير الكتب" في السنتين السابقتين، استفزت ضميراً جمعياً، فقام ونهض، وصرخ وحرق. ثم عاد إلى قواعده فخوراً بما أنجز! لم نسمع بحركات تربوية، باستثناء ما أعلنته الدولة من مجلس وطني للمناهج، وبروز ظاهرة مبادرات خافتة قامت بها هجمات او حركات هدفها المظهرية والاستعراض، لن اتحدث عن اسمائها. اما ما يلفت النظر ويستحق الاهتمام، هو اهتمام جدي تجسد في مؤسستين، نتمنى لهما النجاح هما:
1-مجتمع تطوير التعليم بقيادة مروان المعشر، نشأ سنة 2016 كجمعية رسمية، وعلى الرغم من طموحاتها، لم تتمكن من ممارسة العمل حتى الآن.
2-مجتمع النهضة التربوية، بقيادة النائب خالد رمضان تأسس في حزيران سنة 2017، بدأ نشيطاً عاملاً جاداً، سد فراغاً في العمل التربوي المجتمعي، ودليلي على ذلك: -يمتلك هيئة عامة، لا يمتلكها غيره من افراد وهيئات وجمعيات. -نشر فكره التربوي وأهدافه وغاياته. -اصدر بيانات تربوية إعلامية في اكثر من مناسبة. -اعد خططاً في مجالات التطوير التربوي والإعلام. -أعد بحوثاً جادة جداً. -اعد مشروعات تدريبية لقيادات تربوية.
(4)
عودة إلى الإعلام التربوي
يقصد بالإعلام التربوي، تزويد المجتمع بما يأتي: -معلومات وحقائق تربوية. -مهارات تربوية. -اتجاهات وقيم تربوية.
ففي مجال المعلومات، يحتاج المجتمع إلى بيانات وأرقام عن واقع التعليم ومعلومات عن التحديات التي تواجهه، والخطط التي تعدها الوزارة لمواجهة هذه التحديات، والأدوار المطلوبة من المجتمع كشريك اساسي في العملية التربوية. يحتاج الاعلام إلى قيادة الشراكات مع المدارس والوزارة. والى خلق اهتمام مجتمعي واسع بالعمل التربوي.
كما نحتاج من الاعلام التربوي ان يشرح لنا فلسفة وزارة التربية وسياساتها واتجاهاتها ونظرتها إلى كل من المدرسة والمعلم والطالب والأسرة والمنهج والشركاء، كما نحتاج إلى توعيتنا بالاتجاهات التربوية العالمية الحديثة.
وفي مجال المهارات، نحتاج من الاعلام التربوي إلى تنمية مهاراتنا فيما يأتي: -مهارات الإشراف على العمل المدرسي لأبنائنا. -مهارات بناء الشراكة مع المدرسة. -مهارات المساهمة في بعض اعمال المدرسة. -مهارات تقييم سلوك أبنائنا الطلاب. هذه حاجات لا تتم الا من خلال برناج تدريبي للأهالي ولأبناء المجتمع الراغبين.
وفي مجال القيم والاتجاهات، على الإعلام التربوي المساهمة في إكسابنا اتجاهات مثل، المشاركة، تقدير عمل المدرسة، تبادل المعرفة، الثقة بمعلومات المدرسة، عدم التدخل الفني في شؤون المدرسة (إلا إذا كان الأهالي خبراء).
فالإعلام التربوي مسؤول اذن عن تزويدنا بالمعلومات التربوبة والسياسات والخطط وأوضاع التعليم، كما هو مسؤول عن تنمية مهاراتنا وبناء اتجاهات نحو عملية التعلم.
(5)
الثقافة الإعلامية للطلاب
إن واجب التعليم بناء معلومات ومهارات واتجاهات بشكل عام ولكن واجبه الاساسي بناء ثقافة اعلامية طلابية، ومن هنا يأتي الربط مع تعليم التفكير. فالثقافة الاعلامية تعني تزويد الطلبة بمهارات التمييز بين: -الحقائق والآراء. -الحقائق والإعلام والدعاية. -الإعلام والإعلان. -فحص المسلمات. -بناء وجهات نظر شخصية مستقلة.
1 -الحقائق والآراء: فالحقائق هي ما يقدمها المنهج، ولكنها مع الأسف تختلط بالآراء، فكثيرا ما تقدم الآراء عبر كثير من الحقائق، فكيف يميز الطالب بين حقيقة ورأي؟ الحل طبعاً في الاقتصاد باليقين والإكثار من الشك، والاهتمام بنقد أي فكرة وتقديم وجهة نظر. وهناك الكثير من المعلومات التاريخية والاجتماعية والثقافية تقدم على أنها حقائق، فكيف يمكن بناء فهم واعٍ ما لم يمتلك طالبنا القدرة على التمييز؟
2 -الحقائق والإعلان: تختلط الحقائق بالإعلانات، وتقدم الاعلانات بشكل ناجح، فهي جذابة ملونة مرتبطة بحاجة او تخلق حاجة، تهاجمك مراراً. تتكرر امامك. حتى يحسبها الطفل حقيقة. وغالباً ما يرتبط الإعلان بشخصية محبوبة: فنان -فنانة -رياضي.. الخ ما يزيد من تقبل الطفل لها. فالمطلوب إعلام تربوي يعلمنا كيف نفحص الإعلان؟ وكيف نكتشف ما وراء الاعلان ومن وراء الإعلان؟ مرة اخرى: إنها مهارات التفكير الناقد.
3 - الإعلام والإعلان: وهنا تختلط الأمور مرة اخرى: الإعلام وهو رسالة صحيحة يراد إرسالها ووصولها، والدعاية والاعلان وهي وسائل، قد تختلط بأهداف تجارية او سياسية او فكرية. فالمهم أن يميز طلابنا بين ما هو إعلام وإعلان.
4 -فحص المسلمات: لعل من مقومات التفكير الناقد، تنمية قدرة الطالب على فحص المسلمات، والكشف عن المغالطات والتسريبات التي تمر عبر الرسائل المختلفة. وفحص المسلمات يرتبط بمهارة الشك والتجريب، ورؤية الجوانب المختلفة للموضوع، وإدراك المترتبات والنتائج.
إن كثرة ما يتلقاه الطلبة من معلومات، ودعايات وإعلانات يستوجب منا أن ننمي لديهم مهارات الفحص والتأمل والتدقيق والشك وعدم الثقة، وإخضاع الامور لفحص او تجريب.
5 - بناء وجهات نظر شخصية: إن أية معلومات أو حقائق تقدمها المدرسة إلى طلابنا، لن تكون فاعلة الا اذا صارت جزءاً من خبرات الطلاب وحكمتهم وسلوكهم. ولذلك علينا أن نشجعه لإبداء الرأي والملاحظة واتخاذ قرار فيما يتعلمون، وبحيث تتحول كل المعارف إلى معارف ذاتية او شخصية.
(6)
الإعلام التربوي الفاعل: جهاز أم تربويون
الإعلام التربوي كجهاز قد يقدم معلومة تربوية او يصدر خبراً لاحقاً للحدث، أو قد يمهد لحدث تربوي، او لتغيير تربوي ولكن المسؤولية الكبرى لجهاز الإعلام التربوي هو: بناء رأي عام وشراكة مجتمعية لدعم القرار التربوي والمشاركة فيه، والدفاع عنه وتسويقه. فهل هذا ما نشاهده؟ وهل نجح هذا الجهاز في تعزيز الفكر التربوي؟
مهما كان حجم هذا الجهاز، فإنه بحكم نشأته وتراثه، جهاز يلاحق الحدث أو يعلنه دون متابعة، لن يكون قادراً على تحقيق هدف إعلامي تربوي دون تغييرات في البنية والوظيفة.
أما الاعلام الحقيقي فهو الاعلام الفردي الذي يقوم به كل معلم وكل طالب وكل مسؤول تربوي وكل مدرسة في تقديم النماذج التربوية الناجحة. ولحد الآن لم نسمع عن: -معرض تربوي لإنجازات المعلمين. -معرض تربوي لإنجازات الطلاب. -معرض تربوي لكتب اصدرها المعلمون.
 انه جهد او عمل او دور لا يحظى باهتمام أحد. الإعلام التربوي الناجح هو من يعلمنا كيف ننقد ونفكر ونعمل.

* رئيس وحدة البحث في مجتمع النهضة التربوية.

التعليق