العاصمة الجديدة

تم نشره في الأحد 29 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:03 صباحاً


يتطلع الأردنيون بكثير من الأمل والتفاؤل إلى مدينة خالية من المنغصات تستوعب مشاعرهم، وتترجم آمالهم وتحتضن الأحلام التي تعبوا وهم يتناقلونها من جيل إلى جيل.
قبل عقود كان الكثير من ملاّك الأراضي والبيوت في المدن والقرى الأردنية يبقون على الأعمدة الاسمنتية الحاملة لسقوف بيوتهم الصغيرة مكشوفة تعبيرا عن أن البناء لم يكتمل وأنهم سيسقفونها بعد أن يتجمع لديهم ما يكفي من المال.
الكثير من جيل الآباء انشغلوا في البناء طوال حياتهم وأحبوا كثيرا انشغالهم لدرجة أنهم لم يفوتوا فرصة أو مناسبة دون التعبير عن شغفهم وهمهم وسعادتهم بما يقومون به من أجل أسرهم وراحة ومستقبل أبنائهم، فما إنْ ينهوا الطابق الأول حتى يباشروا الاستعداد للثاني والثالث، حتى بدت بلداتنا وقرانا كأنها ورش بناء دائمة.
 في تسعينيات القرن الماضي كُلّفت بمرافقة أحد الخبراء الأمنيين الذي زار البلاد في مهمة للتعرف على العلاقة بين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من جهة والانخراط في الجماعات المعادية للسلطة من جهة أخرى. في تلك الجولة الطويلة التي شملت عشرات الأحياء والمناطق الشعبية في عمان واربد والزرقاء سألني الخبير عن سبب وجود الأعمدة الاسمنتية العارية فوق أسطح البيوت. كان ذلك ونحن نعبر منطقة ياجوز باتجاه الزرقاء وقد أجبته دون الكثير من التفكير أنها أعمدة الأمل فالناس يتركون بيوتهم لتبدو غير مكتملة لإيهام الآخرين بأن أوضاعهم الاقتصادية صعبة تجنبا للحسد ولكي لا يستفزوا جيرانهم الذين يبقون تحت الانطباع بأن أصحابها غير قادرين على إنهاء بيوتهم فتتقلص الفوارق بين الجيران والأقارب ويكتسبون تعاطف بعضهم بعضا. من ناحية أخرى تشكل هذه الشُمَع والأعمدة حافزا لأصحابها للعمل والادخار ليتمكنوا من استكمالها.
اليوم تغيرت هذه الأوضاع كثيرا بعد أن توالدت شركات الإسكان بمتوالية هندسية فأصبحت العمارات المكتملة البناء في كل الأحياء وأضحت خيارات السكان محصورة بين الطوابق والأرضية والعليا أو الاطلالات التي توفرها الشقق المتعددة، في حين أخذ الميسورون من التجار والوسطاء والسماسرة وكبار العاملين في الاجهزة الحكومية والمؤسسات المصرفية يبحثون عن إطلالات مناسبة لقصورهم في الأحياء الغربية من العاصمة أو مداخل المدن المجاورة لها في محاولة لاستعراض ثرواتهم دون أي اعتبار لما يشكله ذلك من استفزاز لمن عرفوا تاريخ الثروة ومصادرها.
من دون نقاش عام وتهيئة أو تحضير ومن غير أن يعرف النواب الذين يمثلون الأمة ويملكون تفويضها تسرب خبر نية الحكومة بناء عاصمة جديدة في مكان ما. الخبر الذي جاء في حديث دولة الرئيس عن سياسات الحكومة كان مفاجئا وصادما للكثير من الأردنيين. فالبلاد تمر في أزمة اقتصادية غير مسبوقة، والحكومة منشغلة في محاولات إقناع الناس وممثليهم بأهمية وجدوى تعديل آلية دعم الخبز وقانون ضريبة الدخل وعشرات القضايا الداخلية والخارجية التي ألقت بظلالها على أوضاعنا الاقتصادية.
لا أظن أن أحدا في الأردن يمانع أو يعترض على التفكير في بناء عاصمة جديدة يجري التخطيط لها على أسس علمية تخلصنا من محددات الطبوغرافيا التي أعاقت الكثير من محاولات التحديث للبنى التحتية التي تدهورت بشكل أصبح من الصعب تجديدها او التعديل عليها.
المشكلة في أن طرح فكرة العاصمة الجديدة يتمثل في التوقيت والظروف وقلة المعلومات ومستوى الثقة بالنية ومبررات اتخاذ القرار في هذا التوقيت والجهات التي عرفت به قبل أن يعلن ومدى استفادتها من أعمال شراء الأراضي والعقارات.
الأردنيون يتجاوبون مع السياسات الحكومية ويدعمونها إذا ما أحسوا أنها شفافة ومبررة ومقنعة، لكنهم يستغربون أنْ يخطط لما يخصهم بعيدا عنهم وبدون معرفتهم ولا من يمثلونهم.
يعرف الجميع أن المدينة الفاضلة مجرد فكرة يوتوبية لكنهم يعرفون أيضا أن الكثير من فرص الثراء التي خلقت في العقدين الأخيرين ارتبطت بعمليات شراء الأراضي والمعرفة بالمشروعات وشراكات القطاع العام والخاص.
 نتمنى أن لا تبتلع المدينة الجديدة المزيد من أراضي البلاد الصالحة للزراعة أو الأشجار النادرة وأن تكون في مكان يناسب الجميع لا ملّاك الارض فحسب. كما نتمنى أن تزيّن مداخلها بالأشجار وأن لا تغرق أنفاقها بالأمطار وأن يكون الوصول أليها سهلا بباصات وقطارات سريعة، وأن تحمل شوارعها اسماء شخصيات تركت أثرا على تاريخنا لا آباء وأعمام الموظفين في العاصمة الجديدة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مجرد تنفيع (ابو رامي)

    الأحد 29 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    لا ادري كيف سيبني بلد مثقل بالديون عاصمه جديده وارجو ان لا يكون تسريب الخبر لمجرد رفع اسعار الاراضي في منطقه معينه لتنفيع اصحابها
  • »نخب الرحيل المستمر واغتيال عاصمة (بسمة الهندي)

    الأحد 29 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    العواصم رواية وهوية وتاريخ وذاكرة لا يمكن لك أن تشحنها معك وأنت ذاهب إلى "عاصمة جديدة".
    هناك من يستمر في خلع المكان من روحه وكأنه شيء مؤقت؛ يسكن الدوار الأول في الستينيات، ثم ينتقل إلى الثاني أو الثالث أو الحسين أو الويبدة في السبعينيات، ثم إلى الشميساني أو الرابع في الثمانينيات، ويمشي إلى عبدون أو دير غبار في التسعينيات، ومع الألفية يرحل إلى دابوق وهكذا، واليوم يستعد كي يسكن في عاصمة جديدة، فلم تعد الأحياء الجديدة تستهويه.
    كيف لجيل واحد أن يمارس كل هذا الرحيل الطوعي في فترة قصيرة نسبيا، وكيف يصبح المكان قديما فقط في عشر سنين؟ هذه ظاهرة لها أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وحتى سيكولوجية تحتاج إلى فهم ودراسة.
    ماذا سيصبح اسم العاصمة عمان؟ وهل سيتغير مكان ميلاد ملايين الأردنين؟. ماذا نفعل بأنفسنا وبعاصمتنا وبذاكرة الوطن؟
    عندما يبدو لهم دائما أن المكان مؤقت ! العواصم لا تهرم. نعشق عمان.