الطريق الوحيد إلى الأمام في مسألة كوريا الشمالية

تم نشره في الثلاثاء 31 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 01:00 صباحاً
  • زعيم كوريا الشمالية، كيم يونغ أون، بين ضباطه - (أرشيفية)

كارل بيليت*

سيول- هل يمكن أن يشهد العالم قريباً حرباً مدمرة أخرى على شبه الجزيرة الكورية؟ يخيم هذا السؤال على  كثير من المحادثات هذه الأيام.
بطبيعة الحال، ليست المخاوف بشأن برنامج الأسلحة النووية لنظام كوريا الشمالية شيئاً جديداً. وقد حاولت الولايات المتحدة أولاً حل المسألة مرة أخرى في العام 1994، في إطار الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية؛ ولكن هذا الجهد انهار تدريجياً بسبب الإجراءات المتخذة -وغير المتخذة- من قبل الجانبين. وفي العام 2006، فجر نظام كيم جونغ ايل أول جهاز نووي لكوريا الشمالية، وألقى باللوم مرة أخرى على سياسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
وفي العِقد الذي أعقب ذلك، أجرت كوريا الشمالية خمس تجارب نووية أخرى -كانت آخرها في أيلول (سبتمبر)- وأظهرت التمكن التكنولوجي اللازم لتطوير أسلحة نووية حرارية متقدمة. وتحت قيادة كيم جونغ أون، ساء الوضع أكثر عندما بدأ النظام بإحراز تقدم كبير نحو تطوير صاروخ باليستي عابر للقارات قادر على الوصول إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة. وتزامن هذا التطور مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وعد بنهج جديد تجاه الشؤون العالمية.
أوضحت كوريا الشمالية التزامها بتطوير قدرة بعيدة المدى للضربات النووية. ويرى النظام أن الأسلحة النووية هي التأمين الوحيد ضد الهجوم. ويعتقد كيم أنه سيلقى من دونها مصير الآخرين الذين تخلوا عن سعيهم في الحصول على أسلحة نووية مثل صدام حسين في العراق ومعمر القذافي في ليبيا.
وفي هذا السياق، لا يمكن تحقيق الهدف الأميركي المتمثل في نزع سلاح كوريا الشمالية الخالية من الأسلحة النووية عن طريق الوسائل الدبلوماسية. وعلى أي حال، أعلن ترامب أن الدبلوماسية مجرد "مضيعة للوقت"، وحذر بشكل منذر من أن "شيئاً واحداً فقط سينجح"، على الرغم من أنه لم يوضح ما يعنيه ذلك.
ونظراً إلى أن الولايات المتحدة وكوريا الشمالية لم تظهرا أي حماس لإجراء محادثات، يمكن للمرء أن يستنتج أن الحرب أمر لا مفر منه. ومع ذلك، من غير المحتمل أن يبدأ النظام الكوري الشمالي، بسبب كل ما يعانيه من أزمات، صراعاً عسكرياً شاملاً، لأن ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى نهايته. وفي الوقت نفسه، لا تملك الولايات المتحدة خيارات جيدة. وقد تكون الضربات الجراحية واعدة، لكنها ليست مضمونة. وكما يعلم القادة العسكريون الأميركيون جيداً، فإن الضربات التي فشلت في القضاء على جميع الأسلحة النووية لكوريا الشمالية في وقت واحد قد تؤدي إلى حرب إقليمية أو حرب نووية ستكلف ملايين الأرواح.
في الولايات المتحدة، غالباً ما يعتقد أولئك الذين يدعون إلى العمل العسكري أن الردع لن ينجح ضد نظام "غير عقلاني". ولكن، ليس هناك ما يدعو إلى افتراض أن كيم عازم على الانتحار الجماعي. وبعد كل شيء، عندما قامت الصين تحت قيادة ماو بانطلاقة للأسلحة النووية في الستينيات، كان منطقها مختلفاً قليلاً عن وضع كوريا الشمالية اليوم، ولكن أحداً لا يشك في أن الردع سوف ينجح.
مع ذلك، وحتى مع افتراض أن الردع -الذي يتجسد في تهديد ترامب بأن الولايات المتحدة سوف "تدمر كلياً" كوريا الشمالية- سينجح، فإنه لن يمنع كوريا شمالية مسلحة بالصواريخ النووية من القيام بتغيير جذري لحساب التفاضل والتكامل الاستراتيجي في شمال شرق آسيا. إن الردع النووي الأميركي يحمي الولايات المتحدة أولاً وقبل كل شيء. ويبقى أن نرى ما إذا كان "الردع الموسع" للولايات المتحدة سيواصل حماية الحلفاء الأميركيين مثل كوريا الجنوبية واليابان. وإذا أصبح البر الرئيسي الأميركي هدفاً محتملاً لضربة نووية لكوريا الشمالية، فإن مصداقية الردع يمكن أن تعتمد على ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للتضحية بسان فرانسيسكو لإنقاذ سيول أو طوكيو.
يمكن للشك حول المظلة النووية الأميركية في المنطقة أن يؤدي بكوريا الجنوبية واليابان إلى اتخاذ قرار بشأن تطوير الخيارات النووية الخاصة بهما. وفي الواقع، كانت كوريا الجنوبية تتوافر على برنامج للأسلحة النووية قبل كوريا الشمالية. وتم التخلي عن هذا البرنامج عندما وقعت كوريا الجنوبية على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في العام 1975، ولكن إعادة تفعيله أصبحت موضوع نقاش في سيول. ومن الواضح أن المزيد من التصعيد النووي في شبه الجزيرة الكورية سيكون خطراً للغاية، حيث سيشعر نظام كيم بالتهديد أكثر من السابق.
حتى الآن، كان هدف النهج الأميركي تجاه كوريا الشمالية يكمن في تشديد العقوبات والاستعانة بمصدر خارجي لحل المشكلة يتمثل في الصين. وفي حين أن لدى الصين علاقات اقتصادية قوية مع كوريا الشمالية، فمن غير الواضح ما إذا كان لديها النفوذ لتغيير سلوك نظام كيم، حتى لو أرادت ذلك. وربما يتطلب النجاح شيئاً قريباً من تغيير النظام.
وهكذا، فإن من غير الحكمة الاعتماد كلياً على الصين. ومن الواضح أن هناك حاجة إلى نهج دبلوماسي أوسع نطاقاً، وينبغي أن يبدأ بمعالجة مسألة أساسية في صميم المشكلة، هي عدم توقيع أي معاهدة سلام على الإطلاق لإنهاء الحرب الكورية 1950-1953.
من شأن إجراء حوار لاستبدال الهدنة التي بلغ عمرها 64 عاماً باتفاق رسمي للسلام أن يمهد الطريق أمام إجراء مناقشات أوسع نطاقاً بشأن التصعيد النووي وغيره من التهديدات التي يتعرض لها الاستقرار الإقليمي. ويمكن، كحد أدنى، التخلص من المشكلة الدبلوماسية الحالية وإعطاء الأطراف المعنية سبباً أكبر للامتناع عن مزيد من الاستفزازات.
على نطاق أوسع، سيكون على جولة جديدة من الدبلوماسية معالجة المخاوف الأمنية لكوريا الشمالية، وتوفير المجال أمامها لكي تتطور سياسياً واقتصادياً، كما فعلت الصين على مدى العقود القليلة الماضية. وقد يبدو ذلك احتمالاً بعيداً. ولكن إذا تم حل المشكلة الأمنية في شبه الجزيرة، فلن يكون الأمر مستحيلاً.
البديل هو مواصلة السير على الطريق الحالي والمجازفة بنشوب نزاع عسكري أو حرب شاملة. وحتى لو أمكن تفادي هذه السيناريوهات السيئة، فإن المنطقة لن يكون لها ما تتوقعه سوى عدم الاستقرار لسنوات مقبلة.

* وزير خارجية السويد في الفترة من 2006 إلى 2014 ورئيس الوزراء بين 1991-1994، عندما فاوض على انضمام السويد إلى الاتحاد الأوروبي. دبلوماسي دولي شهير، شغل منصب المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي إلى يوغوسلافيا السابقة، والممثل السامي للبوسنة والهرسك، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى البلقان، وهو الرئيس المشارك للمؤتمر دايتون للسلام. ورئيس اللجنة العالمية لحوكمة الانترنت وعضو في مجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي حول أوروبا.
خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع بروجيكيت سنديكيت

التعليق