إعداد الشرق الأوسط لمواجهة الأوبئة العالمية القادمة

تم نشره في الثلاثاء 31 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً
  • أدريان بريدجوتر

أدريان بريدجواتر

يتناول أدريان بريدجواتر خطر الأوبئة وكيف يمكن للشرق الأوسط التعامل معها.
أصبح العالم أكثر ترابطًا، ويسهل التنقل عبره، بل وأكثر عولمة في الواقع. وبما أن هذا النظام العالمي الجديد من الترابط الكلي الدائم يملي علينا الطريقة التي نؤدي بها الأعمال، فإنه يؤثر أيضًا على حياتنا الشخصية ورفاهيتنا. يُعدّ هذا العصر عصر الشركات الضخمة والتقنيات العظيمة والفرص السانحة، ولكنه أيضًا عصر استشراء الأمراض والأوبئة - الأمراض المتفشية التي تنتقل من بلد إلى بلد بسهولة جلية ومقلقة.
ومن المهم أن نتذكر أن الأوبئة ليست جديدة علينا تمامًا بالرغم من التهويل وافتقاد الموضوعية في عناوين الصحف. فقد حدث طاعون أثينا في أوج اتساع الإمبراطورية اليونانية. كما أدى تفشي الكوليرا إلى القضاء على آلاف الحجاج إلى مكة المكرمة في القرن التاسع عشر. وقد أخذت الأوبئة المحلية تتطور وتتحول إلى أوبئة عالمية لأكثر من ألفي سنة، بل ربما لأطول من ذلك.
الوقت والتطور الحديث
ما يختلف اليوم عن الماضي هو عامل الزمن والتطور الحديث. يتواجد البشر لفترة أطول كثيرًا عما سبق، في حين أن الجراثيم والفيروسات أصبحت على قدر أكبر من الذكاء. وقد تصدر كل من فيروس سارس والإيبولا وإنفلونزا الطيور وحتى حمى القرم-الكونغو النزفية عناوين الأخبار على مدار العقد الماضي، وأصبح يُطلق عليها اسم الأوبئة.
كما ظهرت  في العالم العربي متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (فيروس كورونا الشرق الأوسط) في عام 2012، وتفيد تقديرات منظمة الصحة العالمية بأنه تفشى في 25 بلدًا. إذن، متى سيتفشى الوباء التالي؟ وهل هناك مخاوف محددة تكتنف الشرق الأوسط؟ وماذا يمكننا أن نفعل حيال ذلك؟
من المؤكد أن درجات الحرارة الدافئة في كل أنحاء العالم العربي يمكن أن تساعد في احتضان الفيروسات بسرعة، ولكن هذا ليس جوهر المسألة! فإحدى القضايا التي تواجه الشرق الأوسط هي إمكانية أن تصبح مناطق الصراع قنبلة موقوتة للأمراض الوبائية، بالإضافة إلى وجود مناطق شاسعة في كل أنحاء المنطقة حيث لا تتوافر عمليات رصد الأوبئة أو علاجها ولا يتواجد بها مرافق طبية مجهّزة. ومما لا شك فيه تتعرض المنطقة لخطر محتمل.
ما يعطي الفيروس قوة حقيقية في أي مكان من العالم هو قدرته على التغير وتجنب الدفاعات الطبيعية في الجسم والمضادات الحيوية التي نستخدمها عادةً لمكافحة الأمراض. وما يضعنا في خطر حقيقي هو اعتمادنا على المضادات الحيوية كعلاج، لكنها غير فعالة في كثير من الأحيان! مع وجود عدد من الصيدليات غير المنظّمة في الشرق الأوسط أكثر منها في الغرب (على الرغم من زيادة وتيرة مواجهة هذا الوضع)، فربما يصف الأطباء الأدوية الخاطئة لعلاج الأمراض المقاومة بالفعل للأدوية المتاحة لنا.
إن التفكير العقلاني المعاصر في هذا المجال يذهب إلى الجهود المبذولة للبحث عن وسائل استباقية وقائية للحماية عن طريق الابتكارات التقنية.
مستويات التقنية الوقائية
أطلقت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) تطبيقًا جديدًا للهواتف المحمولة باسم "Pandemic" كمحاولة أولى لإشراك المستخدمين أنفسهم في المساعدة في الإبلاغ عن التفشي المحتمل لفيروس جديد. ونظرًا للانتشار الكبير للهواتف المحمولة في كل أنحاء العالم العربي، سيمكن بالتأكيد الاستفادة من هذا التطبيق إن تم تطوير نسخ عربية مترجمة منه. ويمكن أن يمثل ذلك التطبيق خطوة نحو الوقاية من الأوبئة من خلال التقنية على مستوى المستخدم.
إن علم الجينوم يساعدنا بالفعل في دعم الأبحاث التي تركز على إبقاء البشر على قيد الحياة في رحلتهم إلى كوكب المريخ. فإذا تمكنا من هندسة الهياكل التي رسمتها جينومات الخلية في أجسامنا للسيطرة أو التأثير على بنيتها ووظيفتها وتطورها، فربما يمكننا حينها التحكم في الطريقة التي سنتعامل بها منع أوبئة الشرق الأوسط المقبلة قبل استشرائها. ويمكن أن تكون خطوة نحو الوقاية من الأوبئة من خلال التقنية الطبية.
في الوقت الذي نبني المدن الذكية وننشئ مراكز للأفراد المتصلين الذين يشتركون فيما يُطلق عليه "التقنيات القابلة للارتداء"، فإننا نملك الفرصة لجمع البيانات حول صحة المستخدم ونشاطه على نطاق واسع وإيجاد الارتباطات بينها وباستخدام تقنيات تحليل لبيانات الضخمة ومحركات الذكاء الصناعي الجديدة مثل أجهزة آي بي إم "واتسون Watson"، يمكننا الكشف عن حالات الاختلال في أنماط سلوك المستخدم التي يمكن أن تشير إلى وباء في طور النشوء قبل أن يتمكن من الانتشار. يمكن أن يمثّل ذلك خطوة نحو الوقاية من الأوبئة من خلال التقنية على مستوى المؤسسة.
مستقبل أكثر صحة لنا
إذا تمكنا من الجمع بين الابتكارات القائمة على التقنية والبحث المتسارع عن مضادات البكتيريا ومضادات الفيروسات الجديدة، فإننا سنملك فرصة أفضل لمنع الأوبئة القادمة قبل أن تُصنّف حتى على أنها أوبئة محلية. ويمكن للعالم العربي أن يؤدي دورًا خاصًا في هذه المهمة إذا نظرنا إلى مجالات مثل أبحاث معالجة مياه الصرف، حيث تتعرض إمدادات مياه الشرب لخطر التلوث. وبما أن المياه سلعة ثمينة في الشرق الأوسط، أصبحت الأبحاث في هذا المجال كثيفة بشكل خاص في المملكة العربية السعودية.
يكمن تحقيق مستقبل أكثر صحة عبر التركيز على عناصر أساسية مثل معالجة المياه والصرف الصحي، بالإضافة إلى التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الصناعي والمدن الذكية. كما أن توفير المعونات الإنسانية الفورية، فضلًا عن القدرة على نشر الموارد الطبية في كل أنحاء المنطقة بسرعة، يشكلان وسائل حماية رئيسية ضد خطر انتشار الأوبئة. كما يجري حاليًا تطوير المقاربات الجديدة القائمة على التقنية لتسريع هذه الجهود وجعلها أكثر كفاءة.

متخصص في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

التعليق