محمد أبو رمان

المهمة الممكنة!

تم نشره في الأربعاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:10 صباحاً

نقاش على درجة كبيرة من الأهمية شهدته ندوة "أزمة العلوم الاجتماعية في العالم العربي"، التي عقدها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، وتحدث فيها د. ساري حنفي، من الجامعة الأميركية في بيروت، وأحد أبرز الباحثين في علم الاجتماع في العالم العربي اليوم، ود. موسى شتيوي، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية، وهو من السيسيولوجيين الأردنيين المعروفين.
الندوة حضرها أساتذة من الجامعات الأردنية، بخاصة الأردنية، في تخصصات علم الاجتماع والفلسفة والعلوم السياسية، وكان هنالك إجماع بين الخبراء والمتخصصين جميعاً بأنّ البحث الاجتماعي في العالم العربي يعاني أزمة بنيوية كبيرة، وأنّ هنالك فجوة بين هؤلاء الباحثين والواقع، ما أثّر على كفاءة البحث الاجتماعي في التأثير على السياسات العامة، وقبل ذلك على الرأي العام، والأهم على الإنتاج المعرفي نفسه وقدرته على تفسير الواقع وتحليله، والتنبؤ بالمتغيرات المطلوبة.
أهم ما في الندوة، أردنياً، كان الاعتراف، بل حديث الشجن بين الأساتذة والباحثين الحاضرين عن حالة البحث في العلوم الاجتماعية في الأردن، وعن القصور الكبير في هذا المجال، حتى مقارنةً بفترات سابقة كان الوضع فيها أفضل. أمّا اليوم فهنالك تخلف كبير في مجال البحث في العلوم الاجتماعية، وفجوة كبيرة بين الباحثين والواقع، وعدم فعالية واضحة، بالرغم من ازدياد حجم الجامعات وتضاعف عدد طلبة الكليات الإنسانية والاجتماعية، في مرحلة الدراسات العليا، الذين يفترض أن يقوموا هم الآخرون بدور فعّال في البحث والتحليل.
 في المحصلة هنالك أكوام مكدّسة من رسائل جامعية ومن أبحاث ترقية على رفوف مكتبات الجامعات الحكومية والخاصة، وعشرات الأساتذة المتخصصين في هذه العلوم، بلا أي نتيجة أو تأثير حقيقي، ولا مردود علمي إضافي ونوعي ولا حتى عملي يمكن أن يحدث فرقاً في المشهد العام!
هل المشكلة في البحث العلمي في العلوم الاجتماعية أردنياً (لأنّ البحوث العلمية في مجالات الطب والهندسة والعلوم أفضل حالاً، وفق المسوحات والدراسات) أم هي في الحكومات وصنّاع القرار الذين لا يقيمون وزناً للبحث الاجتماعي والسياسي، أم في الثقافة الاجتماعية والبيئة غير المهيأة للإبداع في البحث العلمي والإنجاز فيه أم في تسليع التعليم أم إضعاف استقلالية الجامعات أم محدودية الموارد المالية المتاحة؟!
هذه هي الأسئلة التي حظيت بنقاش كبير بين الباحثين في "الندوة الفريدة"، لكن التعليق الطريف كان من د. ساري حنفي في ضرورة ألا يكون هذا الواقع أشبه بـ"حائط المبكى" لدى الباحثين والمختصين، وضرورة أن نتحرّك للعمل والتغيير، وعدم الاستسلام، وهنا أشار شتيوي وآخرون إلى مصطلح "الباحث العضوي" (على غرار المثقف العضوي)، من يصرّ على إيجاد موطئ قدم للبحث الاجتماعي ودراسة الواقع وتحليله، وعلى فرض وجوده ومعه ماكينة البحث العلمي على القوى السياسية والاجتماعية على السواء، وهو البحث الذي يمتلك العقلية النقدية، لا التبريرية، في بحث الظواهر الاجتماعية والسياسية.
من هذا المنطلق طرح المشاركون فكرة على درجة كبيرة من الأهمية، من وجهة نظري، بدأنا نفكّر في مركز الدراسات الاستراتيجية في ترجمتها على أرض الواقع، وتتمثّل في تأسيس جمعية للعلوم الاجتماعية، تتشكل من نخبة من الأساتذة والباحثين المتميزين، وتساهم في تطوير هذا المجال المهم والحيوي، لأي مجتمع أو أمة أو دولة متحضرة اليوم.
أغلب الجمعيات الموجودة شكلية، أو اسمية، ما نريده أن تكون هذه الجمعية أقرب إلى الجماعة العلمية المرجعية، التي تساهم في تأطير سياسات البحث العلمي وأولوياته وتحدياته ووصف حالته، وهل هي مهمة ممكنة وضرورية تأخر ميلادها كثيراً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائعة بسمة (محمد أبو رمان)

    الأربعاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
    صحيح كلامك لكن هناك للآسف تجاهل كبير لأهمية علم الاجتماع لدى النخب السياسية وحتى في الثقافة الاجتماعية، ولدى المثقفين، واهتمام بالسياسة بالمعنى الحرفي من وجهة نظري الـPolitics، وليس الـPolicy، لم نطوّر منظور سيسيولوجي للعالم العربي ولا مناهج بحثية أو مفاهيم مفتاحية، وأغلب الكتب الجامعية التي تدرس لطلابنا مترجمة لنظريات من الستينيات والخمسينيات أصبحت متأخرة كثيراً حتى عن النظريات الغربية والمدارس الجديدة في علم الاجتماع.
  • »عندما يغني علماء الاجتماع الفكر والحوار (بسمة الهندي)

    الأربعاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
    معك حق أستاذ محمد. تخيل مثلا لو انتبه السياسيون في العالم العربي إلى ما طرحه عالم الاجتماع د. سعد الدين ابراهيم مبكرا حول الأقليات في منطقتنا في كتابه المهم "الملل والنحل والأعراق" وقبل أن تتأجج الصراعات الأهلية في منطقتنا وكما هو حادث اليوم (أظن أن كثيرين لا يعرفون أن د. سعد كأن أول أمين عام لمنتدى الفكر العربي والذي مقره هنا في عمان، وكان المنتدى فاعلا وديناميكيا على زمنه).
    وهناك مثلا عالم الاجتماع الكويتي ذ. خلدون النقيب، وأنا تعلمت كثيرا منه ومن كتبه، فهو تتطرق إلى مواضيع حساسة مثل "بنية الدولة التسلطية في المشرق" و "عقلية البازار" و "القبيلة" و "الدولة الريعية". وأظن أن كتبه كانت ممنوعة في كثير من الدول العربية.
    وهناك د. حليم بركات وكتابه المجتمع العربي في القرن العشرين. ولا ننسى د. هشام شرابي وكتابه "مقدمات لدراسة المجتمع العربي".
    والأمثلة كثيرة لعلماء اجتماع أغنوا الفكر والحوار في منطقتنا وتعلمنا منهم وساعدونا على أن نكون أكثر عقلانية وانسانية.