مروان المعشر

الدور المجتمعي لميسوري الحال

تم نشره في الأربعاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:08 صباحاً

كادت تقتصر ثقافة التبرع من قبل ميسوري الحال في العالم العربي حتى وقت قريب إما على مساعدة الاقارب أو على بناء دور العبادة. في العقود الماضية، بدأنا نشهد بعض التحول البطيء من قبل البعض نحو مجالات أخرى عامة كالتعليم او الصحة. وكانت دوافع التبرع تختلف، فإضافة الى رغبة البعض بالتبرع للصالح العام لإيمانهم بالقضية التي يتبرعون لأجلها، فإن العديد من التبرعات تتم لإرضاء من يطلب إن كان من اصحاب النفوذ، او لوضع اسم المتبرع على بناية مثلا، او للحصول على إعفاءات ضريبية، او من باب التخجيل. وكل هذه الدوافع مفهومة ومشروعة ولا بأس منها طالما انها تؤدي الى الصالح العام وتقدم خدمات للمواطنين والمواطنات تعجز المؤسسات الرسمية عن القيام بها وحدها. 
ومع اندلاع الثورات العربية، كما مع قرب انتهاء الحقبة النفطية، تبرز الحاجة لنوع جديد من التبرعات لم نعتدها من قبل، وهي تبرعات تعطى لتهذيب النفوس وبناء مجتمعات تعددية منفتحة حداثية إدماجية. ولئن كانت جل التبرعات في الماضي في مجالات التعليم والصحة تذهب نحو محو الأمية او اكتساب مهارات تقنية او محاربة الأمراض المستعصية، فإننا اليوم بحاجة لمن يتبرع للمساهمة في بلورة مجتمعات عربية اكثر عدالة وديمقراطية ومدنية وتعددية.
أيمن وسوسن الأصفري من هذا النوع من الناس. يتحدر أيمن الأصفري من أصل سوري، وقد بنى نفسه بنفسه حتى استقر به الحال في بريطانيا وانعم عليه الله بالمال. رفض ان يهجر العالم العربي فكريا وإن رحل عنه جسديا، فاختار أن يُنشئ مؤسسة خيرية لا تقدم المال فقط لمساعدة اللاجئين السوريين مثلا، ولكن ايضا لبناء مركز للمجتمع المدني والمواطنة وذلك في الجامعة الاميركية في بيروت ليهتم بتربية نشء يمتلك مفهوما حداثيًا لما تعني المواطنة الحقة وما تحمل من قيم، وهو بذلك يقدم خدمة مجتمعية للعالم العربي قل نظيرها. وقد أتاح موقعي كعضو مجلس أمناء مؤسسة الأصفري ان اشهد على مثل حي كيف تعطى الموارد من اجل تحقيق حلم بمستقبل أفضل للمنطقة وليس لمجد شخصي.
أيمن وسوسن الاصفري ليسا الوحيدين في العالم العربي بطبيعة الحال، وهناك العديد من الأمثلة الاخرى على من يعطي بسخاء من ماله. ولكنني أزعم اننا نحتاج لعدد اكبر من هؤلاء ممن يعطون لإصلاح النفوس وليس الاجساد فقط. وأزعم ايضا ان الكثير من ميسوري الحال في الوطن العربي، يخشون غضب الحكومات إن قاموا بالتبرع لأمور تساعد في إصلاح المجتمعات مثل نوعية التعليم والمواطنة وتشجيع الحوار ومنظمات المجتمع المدني التي تساهم في مراقبة أداء الحكومة. وبرغم وعي هذه الفئة لاهمية كل ذلك في تطوير مجتمعاتهم وجعلها اكثر انفتاحا، وبالرغم مما شاهدوه من اثر واضح للانفتاح على حياتهم، فإن هذا الوعي لم يتغلب بعد على خوفهم من غضب حكوماتهم ان اتهموا بالترويج لهذه الثقافة "اللعينة" التي تدعى الديمقراطية.
إن بناء مجتمعات عربية مستقرة ومزدهرة، خاصة بعد انتهاء الحقبة النفطية، جهد مجتمعي ضروري، ولا يمكن أن يتم الاعتماد فيه على الحكومات وحدها التي هي إما عاجزة أو غير راغبة في ذلك، كما لا يمكن الاعتماد فيه فقط على القلة من العرب الذين يقطنون خارج الوطن العربي ولا يخشون ردة فعل الحكومات العربية. هناك مسؤولية مجتمعية على ميسوري العالم العربي، من يقطن منهم داخل او خارج الوطن العربي، للمساهمة في جهد وحده ما سيضمن مستقبل أبنائهم وبناتهم والمنطقة بأسرها. وبغير ذلك، ستسهل هجرة العقول، وسيبقى التغني بالوطن أغنية لسميرة توفيق وليس ممارسة على الأرض.

التعليق