العَلمانيـة والدولـة المدنيـة.. مآزق النُخب وأوهام العامة (3 – 3)

تم نشره في الجمعة 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

من ناحية، أعتبرُ العَلمانيـة –سعياً وراء تأسيس مفاهيمي- أسئلة عقلية برسم التشكّل الدائم، لغاية فهم العالَم في بُعديه الفيزيقي والميتافيزيقي، بصرف النظر عن مدى الإيمان من عدمه بوجود العالَم الثاني ( = العالَم الميتافيزيقي). والدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأسئلة في تفكيك المنظومات المعرفية التي شكلّت المعالم الأساسية لهذا العالَم، وتقديم أطروحات جديدة من شأنها إبقاء جذوة الفعل الحضاري مشتعلة. على أن تتم مراجعة هذه الأطروحات بشكلٍ دائم ومستمر، سعياً –بالدرجة الثانية- إلى احترام الوجود الإنساني الآني وعدم إخضاع شرطه الحياتي لأنماطٍ من التفكير السابق التي تسلبه حقّه في تقرير مصيره في هذا العالَم. وإقراراً –بالدرجة الأولى- لناموس العقل التأسيسي، أعني ناموس (الصيرورة: جدل العقل مع ذاته) والتحامه في علاقة تشابكية واشتباكية مع (سيروة) العالَم. فهو ناموس غير قارّ أو ثابت، بل هو دائم الحركة؛ وأي ثبات له أو إقرار بإجابات أبدية، سيحوّله إلى آيديولوجيا، ويخرجه من دائرة المعرفي.
وضمن هذا التوجّه، لا يمكن للعَلمانيـة أن تتحوّل إلى سردية كبرى تحمل بين طياتها إجابات قاطعة ونهائية عن أسئلة الحياة، بل هي نظام عقلي يسعى إلى تفكيك السرديات الكبرى (دينية/ فلسفية/ أدبية/ علمية/ سياسية/ اقتصادية/ اجتماعية...الخ) عبر نقد منظوماتها، اقتضاء لواقع مواضعات العقل الآني، من غير ارتهان لثوابت سابقة يمكنها أن تحجر على هذا النظام في استبصار ما ينفع الإنسان، حتى لو أدّى هذا الاستبصار إلى الإطاحة الكلية بتلك السرديات أو الإبقاء على بعض جوانبها أو تهذيب بعض مقارباتها...الخ. وفي سعيها لأنْ لا تكون سردية كبرى، يمكن القبض عليها أو على أطروحاتها، تبقى العَلمانيـة ميزة إنسانية فائقة، فهي التي تمنح الإنسان –إذا ما أراد- تحقّقاً مثالياً في السؤال الأنطولوجي: لِمَ أنا موجود في هذا العالَم، وما هو الدور المُناط بهذه الأنا تحديداً من دون الأنوات الأخرى؟ إذ لا يمكن لأحدٍ أن ينوب عن أحد ليس في تقرير مصيره فحسب، بل وفي إثبات موجوديته في هذا العالَم، من خلال اجتراح فعل إبداعي –أياً كان- لا يمكن لأحد غيره أن يجترحه.
من ناحية الثانية، الدولـة المدنيـة، تطبيق عملي للتعريف السابق. لكن أن تعمل آليات الدولة المدنيـة –عبر شبكتي الأشخاص والمفاهيم- على تثبيت الأسئلة العقلية القلقة والدافقة في إجابات ثابتة وقاطعة، سيجعل منها دولة استبدادية تُلغي فعل العَلمنـة الناسوتي، وتستبدله بفعل الأتمتـة اللاهوتي، حتى وهي تتخذ طابعاً دنيوياً بحتاً.
بالتقدم خطوة ناحية الخلف، النُخب في مجتمعاتنا تتحدّث عن الدولـة المدنيـة بصيغتها التطبيقية، باعتبارها حدثاً خلاصياً على المستوى الجمعي، لكنها لا تمتلك أطروحة عقلية تُفكّك بموجبها المنظومات المعرفية التي تتحكّم بمفصليات حياتنا –ابتداءً من لحظة الميلاد المادي إلى الأبد الميتافيزيقي- التي تقف عقبة كأداء في وجه الوصول إلى الدولة المدنيـة.
ومن هنا تبرز المأساة العظمى، إذ تُفهم أطروحة الدولـة المدنيـة باعتبارها سردية جاهزة وناجزة، تريد أن تُحدث إزاحـة قسرية في مفاهيمية الدولة الدينية كما هي قارّة في أذهان الناس. لذا يعمد العامة إلى رفضها رفضاً كاملاً، مما يُجبر النُخب –سعياً وراء عدم إغضاب العامة واستفزازهم وتحريك مياههم الراكدة- إلى تقديم تنازلات معرفية جوهرية تهدم الفعل العَلمـاني من جذوره، رغم أنهم في الأساس لا يمتلكون أي طرح عَلمانـي أو عقلي. ففي اعتقادهم أن الحفاظ على ثوابت كثيرة في السردية الدينية أو السياسية أو الاجتماعية، وجعلها مساطر معيارية لا يمكن تجاوزها، سعياً للحفاظ على البعد الهُوياتي للأمة، سيخدم مشروع الدولـة المدنيـة ويجعلها أكثر قبولاً لدى الجماهير. لكن الأمر في حقيقته ينطوي على بُعدين اثنين:
1 - افتقاد النُخب إلى أيّ إطار فلسفي يحفر عميقاً في الجذور التي أسّست للاجتماع الإنساني، وإخضاعها إلى مُساءلات استقصائية، لذا تلجأ هذه النُخب إلى القشور، ليس بصفتها حلَاً سريعاً فقط، بل ولأنها الأكثر تعبيراً عن روح هذه النُخب، فهي نُخب معنية بالقشور لا بالأعماق، لذا لا يمكنها أن تُفلسف العالَم فسلفةً جديدة.
2 - حالة الانسجام بين النُخب والعامة في رفض العَلمانيـة أو سؤال العقل بإزاء العالَم. وما تلك الدعوات للدولة المدنيـة قبل أن تقدّم مشروعاً عقلياً لما يمكن أن تكون عليه الدولة المدنية، إلا من باب التحايل على المشروع العقلي والإطاحة به من خلال الدخول في مواجهة حتمية مع العامة المعبأة تماماً ضدّ أي شأن للعقل في الاجتماع الإنساني. فالمصالح الدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية الآنية للنُخب مُهدّدة في حال الاشتغال عليها عقلياً، لذا تلجأ النُخب إلى وضع عربة الدولة المدنية أمام حصان العَلمانيـة، لتُربك الرؤية لدى العامة وتجعلهم في مواجهة حقيقية مع أي مفكّر أو فيسلوف من شأنه إيقاظ الأسئلة النائمة وخلق مواجهة معرفية بينها وبين تلك السرديات الناظمة للحياة الدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية...الخ. وبما أن ذهن العامة ذهن ديني في بعده الجوهري، فيتم تسويق العَلمانيـة باعتبارها تهديداً للمنظومة الدينية، التي يتم رفضها ورفض أتباعها بشكلٍ مبدئي، ويصبح وجود المُفكّر العَلمانـي الحقيقي وجوداً انتهاكيـاً لحُرمـة العقد الناظم لروح الأمة وبُعدها الهُوياتي. لذا يتم التضحيـة بهذا المُفكّر مرتين: 1 - مرةً من قبل النُخب، من خلال تميعة وتسخيف مشروعه العقلي والقفز عليه قفزاً ناحية تطبيقات عملية وفورية، لا يمكن أن يكون لها معنى في الاجتماع الإنساني إلا إذا تمّ الاشتغال عليها عقلياً، وتحويله إلى سياق قابل للتوريث النقدي. و2 - مرةً من قبل العامة، من خلال تهديد حياته في بُعديها المادي والمعنوي، كيف لا وهو الذي يستهدف روح الأمة، عبر سعي دؤوب ومحموم لإفقاد الناس يقينياتهم وثوابتهم في الحياتين الدنيوية والأخروية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »درر (زكي مهمد)

    الأحد 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
    كلامك درر استاذ معاذ. و مقاربة عميقة لشأن مهم. الا يجب تعميم دراسات الفلسفة و اللاهوت و التوسع في دعم نشرها و البحث فيها كجهد تأسيسي؟