فكرك بتزبط..؟

تم نشره في الجمعة 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:05 صباحاً

بالرغم من محدودية المعلومات وارتفاع وتيرة الشك والتخمين في الاوساط الشعبية والاعلامية، يناقش الاردنيون احلامهم وتطلعاتهم وخطط وسياسات الحكومة المعلنة والخفية بما في ذلك فكرة العاصمة المقترحة. الجدية والحماس الذي يبديه البعض في اصطفافهم مع او ضد السياسات يتجاوز او يتناسى مشاعر الاستياء  التي تنامت لدى الكثير من الناس في أعقاب إعلان الرئيس أو اشارته العابرة الى وجود نية لانشاء عاصمة جديدة تاركا التفاصيل والتأويلات لوزرائه الذين اجتهدوا في إكمال أو حل اللغز الذي طرحه الرئيس.
 بصرف النظر عن التصريح وتعاطي الحكومة مع الموقف، فقد استأنف الشارع الاردني نقاشاته للفكرة وأكمل الفراغ على طريقته ليغرق الاردني في مئات السناريوهات حول  تاريخ الفكرة ومصدرها ومبرراتها والمستفيدين منها والعارفين بالموضوع وجدية الطرح وما الى ذلك من تخمينات يصعب حصرها في هذه المقالة او حتى في كتاب.
 الحقيقة الملموسة أن الشارع الاردني منقسم بين مؤيد ومعارض للفكرة الجديدة. بعض المؤيدين يرون في الفكرة فرصة لإعادة توزيع السكان وتوسيع دائرة الاستثمار والتخلص من أزمات السكن والمرور والضغوط على البنية التحتية والمرافق الخدمية، ويأملون ان يسهم المشروع في تحريك الاقتصاد الذي تضاعفت مشكلاته مع تقلص المساعدات وارتفاع منسوب الدين العام وتجاهل الجيران وبعض الاصدقاء لمعاناة الاردن من جرّاء الاحداث الاقليمية التي لم يكن كغيره سببا في إشعالها وتغذيتها وإدامتها. المعارضون للفكرة يشككون في جدواها وتوقيت الاعلان عنها وآلية التخطيط والتحضير والإخراج لها خصوصا بعد ان تم الاعلان عنها في ذروة الجدل والحوار حول  التغيرات التي تنوي الحكومة ادخالها على آلية تسعير ودعم الخبز ورفع اسعار عدد من السلع والخدمات.
في الاردن هناك غياب واضح للمعلومات الموثوقة عن  كثير مما يحدث في السياسة أو الاقتصاد أو الأمن أو حتى الاستثمار دون معرفة الاسباب لاستمرار احتكار البعض لهذه البيانات وتحريم تداولها في البحث والتشاور والتقويم. قد يتحدث البعض عن وجود خطة لكذا وكذا من المشروعات دون وجود بيانات متداولة تساعد المهتمين والمراقبين والمحللين على المشاركة والاقتراح  والتطوير وتقديم المساعدة واستجلاب الخبرة. الكثير من المشروعات يخطط لها وتنفذ وتدار في دوائر ضيقة فتبدأ وتنتهي دون معرفة الاسباب الحقيقية، الأمر الذي يفتح الباب للاجتهاد والتحليل والتخمين.
كنتيجة لهذا الواقع  اعتاد الكثير من الناس صغارا وكبارا وحتى الذين يمارسون السلطة من مواقع رسمية استخدام عبارة "فكرك بتزبط" عندما يطرحون أفكارهم ومواقفهم حول المشروعات التي يسمعون عنها أو عرض أحلامهم  وأفكار مشروعاتهم الشخصية على الأصدقاء وفي المجالس والاجتماعات أو عندما يباغتهم البعض بأسئلة قد لا يملكون الإجابة عنها.
في معظم الجلسات التي نحضرها ويتسع وقتها للأحاديث يتطوع بعض الحضور    ودون أن يُطلب منهم لاستعراض خطط ومشروعات ويستغرقون في تقديم تفصيلات وافكار واهداف يعوزها التنظيم والتنسيق. المشاريع الوهمية لا تتعدى كونها أحلاما تبقي على إحساس صاحبها بالحيوية الذهنية وتعوضه عن الإحباط الناجم عن قلة او ندرة الإنجاز كما تسهم في إيهام الآخرين من الأصدقاء والجلساء والجمهور بأن لدى صاحبهم من حسن التفكير والتدبير ما يجعله جديرا بالتقدير والاحترام.
 السؤال الذي تطرحه عبارة "فكرك بتزبط" سؤال محمل بالإحباط والغموض والإحساس العميق بمحدودية تأثير الفرد على مجتمعه ومستقبله وحتى حياته الشخصية. الأهمية التي يحملها السؤال  تتمثل في روح التسامح والاعتذار الناعم الذي يتبادله الأفراد بعد كل جولة نقاش يبدي فيها البعض حماسا لفكرة أو موقف لا يعرفون حوله الكثير.

التعليق