محمد أبو رمان

عن الأردنيين.. أنموذج المعتصم بالله!

تم نشره في الجمعة 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:10 صباحاً

المعتصم بالله أبومحفوظ هو طالب سنة ثالثة هندسة برمجيات في جامعة الزرقاء الأهلية، وُلد مصاباً بأحد أصعب أنواع الشلل الدماغي، رباعي الأطراف، بسبب نقص الأكسجين والولادة المبكّرة، لكنّه بمساعدة مذهلة ورائعة من عائلته العظيمة مجتمعة تمكّن من كسر شيء اسمه المستحيل، وبنى أنموذجاً استثنائياً!
المعتصم لم يقف عند حدود تحدّي ثقافة المجتمع السلبية، وغياب الرعاية المطلوبة بهذه الشريحة الاجتماعية، وتمكّن من دخول المدرسة وتحقيق نتائج مبهرة، وبالرغم من الصعوبات الكبيرة التي واجهته في الثانوية العامة، نظراً لعدم وجود مساحة لمن هم بمثل حالته، إلاّ أنّ عائلته تمكّنت من الحصول على إذن بأن يقوم أحد المراقبين بالكتابة نيابة عنه لعدم قدرته على الكتابة، بسبب شلل الأطراف، ونجح في المدرسة، ودخل الجامعة باقتدار.
وفي الجامعة واجه معتصم غياب الثقافة الاجتماعية والبنية التحتية والخدماتية المطلوبة لمثل حالته، وأخذ مسار التفوق مرّة أخرى في دراسته، وأثبت وجوده.
إلى هنا، نحن أمام قصة نجاح عظيمة قياسية، تستحق وساماً وطنياً من الدرجة العليا، لكنّ صديقنا لم يكتفِ بما أنجزه، بل تجاوز كل التوقعات وألّف كتابين، الأول بعنوان نظرات ثاقبة، يتحدث فيه عن معاناة من هم في حالته، وضرورة تغيير الشروط المحيطة بهم، والثاني هي رواية رائعة مدهشة، نشرها مؤخراً بعنوان "عاشقة صاحب الكرسي".
رواية المعتصم هي، عملياً، سيرته الذاتية، وتضاريس رحلته في مواجهة المتاعب، والحصول على مقعد في الجامعة والاشتباك مع المجتمع، ومن ورائه عائلة عظيمة مكافحة، لا يقل إنجازها عن إنجازه، لكن دهشتكم ستتضاعف آلاف المرّات عندما تعرفون أنّ المعتصم طبع روايته بأنفه؟!! واستمر قرابة 4 أعوام وهو يطبع "به" على آيباده الخاص، لأنّه لا يستطيع تحريك أطرافه، فقام بكتابتها وأنجز لنا عملاً أدبياً إنسانياً عظيماً، بمغزاه الإنساني والأخلاقي والكفاحي.
الرواية ممتعة رائعة بتفاصيلها الإنسانية، وتكشف عن جوهرة أردنية، ليس فقط بإنجازه ونجاحه وقيمة روايته، كأول رواية عالمية تكتب بالأنف، بل أيضاً بقيمته الأخلاقية ووعيه الفكري، وإدراكه لأهمية ما يقوم به من أجل إنصاف ذوي الاحتياجات الخاصة أولاً في المجتمع، لأنّهم يعانون من ضعف البنية التحتية ومن الثقافة الاجتماعية غير المدركة لخصوصيتهم، وثانياً لتحفيز أبناء هذه الشريحة على تغيير هذه الصورة النمطية، وتحقيق الإنجازات والتعرف على إمكانياتهم وقدراتهم.
يقول صديقنا المعتصم "الإعاقة ليست بالنطق والحركة، بل في العقل والتفكير"، وانطلاقاً من هذه الرؤية الذاتية يواجه التحديات والصعوبات ويمضي في مهمته النبيلة، ليس على صعيد النجاح الشخصي، بل بما هو أهمّ من ذلك بكثير إعادة تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، ورؤيتهم لذاتهم ورؤية الآخرين لهم.
تقف عائلته، والدته ووالده وأشقاؤه، على الدرجة نفسها من الإنجاز، فمهما كانت طاقة وقدرات أي شخص، من دون وجود هذا "السند" العائلي والإصرار لديهم جميعاً، ما كان يمكن أن يحقق معتصم ما قدّمه خلال المسيرة.
ما زلنا نتوقع من هذا الشاب الأردني الأسطورة الكثير، ويذكرني بالفيلم المعروف Theory of Every Thing، عن حياة عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج، الذي أصيب بمرض التصلب الضموري، وهو مرض نادر، وكافح حتى أصبح أبرز علماء الفيزياء المعروفين على مستوى العالم.
المهم، الآن، كيف ستتعامل الدولة مع هذا الأنموذج؟ وزير الثقافة نبيه شقم، قام بنفسه برعاية توقيع رواية المتعصم بالله، لكن ما نريده من المسؤولين والمعنيين بالشباب والثقافة أكثر من ذلك بكثير، بأن يصبح هذا الشاب أنموذجاً أردنياً وعنواناً للإبداع والإرادة والتقدّم، وأن يحظى بوسام من أعلى المستويات، لأنّه يستحقه بجدارة. 

التعليق