أدب فلسطيني رديء

تم نشره في السبت 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

هل تكفي فلسطين كذريعة، وكـ “بقرةٍ مقدسة”، لإنتاج كل هذه الأكوام من الأدب الرديء، والخطابات الرديئة، والمؤلفات والندوات الركيكة؟
في يوم ما، تساءل محمود درويش إبان الانتفاضة الأولـى: كم سنة سنحتاج لننظف الشعر الفلسطيني من كل هذه “الحجارة”؟
والآن تمتلئ المنتديات وصفحات القراء والملاحق الثقافية والمواقع الإلكترونية والسوشال ميديا، ثم الفيسبوك تحديداً دون غيره، بمئات القصائد الركيكة والساذجة تحت عنوان فلسطين الفضفاض!
وتنشأ طبقة من “الكتاب من منازلهم”، وهم شريحة واسعة من القراء الذين لم يقنعهم دور المتلقي، ولم يُرض زهوهم وغرورهم، ولم تعد تناسبهم وظيفة القراءة، فصاروا ينتجون يوميا عشرات القصص والكتابات والمقالات مع وفرة واضحة للشعر، وهي كتابات تغصّ بالأخطاء النحوية والإملائية المخزية وبالسطحية الفاضحة ولاعلاقة لها بالكتابة،... لكنها تتوسل الحصانة المطلقة، بل والقداسة التامَّة، فقط لأنها “عن فلسطين”!
ويتوقع هؤلاء أن فلسطين التي غفرت لكثيرين تقصيرهم وخذلانهم، في سياقات شتى، لن تشغل بالها بالنقد، ولن تتوقف عند هشاشة عباراتهم وفظاظة مفرداتهم، وسقم الحال الذي تبدو عليه كتاباتهم!
وما يزال هؤلاء يستخدمون عبارات لفظها القاموس منذ سبعينيات القرن الماضي، ولم تعد تصلح لدروس الإنشاء في الصفوف الإعدادية!
فيما يذهب بعضهم إلى النقيض تماماً، ويلبسون لبوس الحداثة، فيكتبون قصائد تصلح للقراءة من اليسار لليمين أو من اليمين لليسار، أو حتى من نهايتها صعودا لبدايتها فلا يختلّ السيد “المعنى”!
هي فقط محاولات لحوحة، من هؤلاء، للانتقال من مقاعد القراء التي لم تعد مقنعةً لهم إلى مقاعد الشعراء!
والذي يتصفح هذه المواقع، يلمس أن القارئ، الذي يكتفي بدور القارئ، قد اختفى، ولم يعد له وجود؛ فالكل كتاب ومبدعون وشعراء، فلا أحد لديه الوقت ليقرأ!
ولا أحد من الذين تستوقفهم الظاهرة يجرؤ على نقدها، أو حتى الاعتراض على أخطائها الإملائية، فكثيرون لن يتورعوا عن “تخوينه” واتهامه بالإساءة لـ“الأدب الفلسطيني المقاوم” !
فيكون الخيار الأسهل، والأقل كلفةً، هو التصفيق “للشاعر” ومديحه ورصف العبارات في تثمين ما كتب، وتحديداً إن كانت امرأة، فحينها يأخذ المديح شكلا أكثر إثارة للاشمئزاز حين يتساءل أحدهم: أين كُنتِ طيلة السنوات الماضية ؟ ولماذا بخلتِ على فلسطين بكل هذه العبقرية؟
ويتوسلها آخر: أرجوكِ لا تتوقفي عن الكتابة، وإلا توقف الشعب عن المقاومة!
في حين لا يتردد كاتب سبعيني أشيب بوصف فتاة بعمر حفيدته لا تزال تتهجأ الكتابة بأنها “قديسة الثقافة الفلسطينية”!
وتعيد قراءة هذه الفتاة محاولاً أكثر من مرة البحث عن المخفيّ الذي اكتشفه هذا الكهل المجرّب، والذي يصعب على من هو مثلك اكتشافه، فتصطدم بعبارات لا تصلح لدرس القراءة في كتاب الأول الابتدائي!
لكن شاعرا معروفا يهزّ رأسه بحكمة ويُعلّق: لم يخنّي حدسي ..كنت أعرف أنك شاعرة جبارة !!
...
ولا يملك الذي يقرأ كل هذا الهراء والغثاء، إلا أن يشعر بالتقزز، وهو يرى المسوخ في الكتابة، يتسترون بفلسطين، ويتذرعون بها، تماماً كما فعل قبلهم مسوخ السياسة، ولا يزالون يفعلون!

التعليق