الغموض العظيم للكمين القاتل: ما الذي تفعله أميركا في النيجر؟

تم نشره في الجمعة 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

هيئة التحرير – (نيويورك تايمز) 27/10/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بينما يتعمق الغموض بشأن حادثة مصرع أربعة جنود أميركيين في كمين نصبه المتطرفون في النيجر، تملص الرئيس ترامب من المسؤولية ووضع العبء كله على الجيش. وهو نفس نوع المراوغة التي مارسها عندما قُتِل جندي من قوات البحرية الأميركية في غارة ناجحة شنها المتطرفون في اليمن في كانون الثاني (يناير).
لكن ذلك لا يجوز. فمثل أسلافه -الرؤساء الذين كانوا أقوياء بما يكفي للاعتراف فعلاً بمسؤوليتهم الثقيلة- يشغل السيد ترامب منصب القائد العام المسؤول عن وضع القوات المسلحة في طريق الأذى. وفي نهاية المطاف يجب عليه هو والبنتاغون أن يقدما تفسيراً كاملاً -ليس للعملية في النيجر فحسب، وإنما أيضاً للكيفية التي تتناسب بها هذه المهمة مع استراتيجية أوسع لمكافحة الإرهابيين في أفريقيا.
في السنوات الأربع الماضية، وسع الجيش الأميركي وجوده في القارة الأفريقية لتدريب القوات المحلية ومساعدتها على محاربة المتطرفين، حتى يمكن للولايات المتحدة تجنب الاضطرار إلى نشر أكبر للقوات. كما يقوم البنتاغون بالمزيد من تكثيف هذا التركيز بينما يسعى تنظيم "داعش" إلى البحث عن ملاذات جديدة بعد طرده من سورية والعراق.
يوجد أحد أكبر تركيزات القوات الأميركية في أفريقيا في النيجر، التي تشكل مركزاً للاستخبارات الإقليمية وعمليات المراقبة والاستطلاع. وهي مكان يتواجد فيه ما بين 800 إلى 1000 جندي أميركي.
خلال الاثني عشر يوماً الأولى التي تلت الهجوم الذي وقع هناك يوم 4 تشرين الأول (أكتوبر)، كان السيد ترامب صامتاً. وعندما تحدث أخيراً، رداً على سؤال من أحد الصحفيين، بدأ جدالاً علنياً مع أرملة أحد الضحايا، الرقيب ديفيد جونسون. والآن، بينما تتعثر الروايات المتعارضة حول عناصر الكمين، أصبح أعضاء الكونغرس المغضبون يطالبون بإجابات عن كيف انتهت مهمة غامضة في منطقة نائية من أفريقيا بهذا الختام بالغ الكارثية.
حسب الرواية الحالية، كان الجنود الأميركيون –وهم فريق من القوات الخاصة مكون من 12 عضواً- يقومون بدوريات مع 30 جندياً من النيجر عندما وقعوا في الكمين. وقال الأميركيون على الفور للقادة إنهم يتعرضون للهجوم، ثم طلبوا المساعدة بعد ساعة لاحقاً. وأدى ذلك إلى إرسال القوات البرية النيجرية وطائرات ميراج الفرنسية التي وصلت بعد حوالي ساعتين، في الوقت الذي كان فيه القتال يتضاءل. ولكن وحدات الإنقاذ لم تسترد جميع الأميركيين الاثني عشر، وتركت وراءها أربعة جنود بطريقة لا يمكن تفسيرها، من دون اتصال لاسلكي. وفي البداية اعتبرهم البنتاغون في عداد المفقودين، مما يوحي بأنهم ربما كانوا على قيد الحياة عندما غادرت المروحيات من دونهم.
في حين تم العثور على جثث ثلاثة أميركيين قتلى مع مترجم الفريق النيجيري بعد ساعات، استغرق الأمر القوات الأميركية والفرنسية والنيجيرية يومين آخرين للعثور على جثة الجندي الرابع الرقيب جونسون في الغابات القريبة من موقع الكمين.
وقال مسؤولون من البنتاغون أن العملية كانت مماثلة لعشرات بعثات الاستطلاع والتدريب، والتي كان الاصطدام بقوات العدو فيها يعتبر غير محتمل. وتعمل القوات الأميركية في النيجر ضمن قواعد صارمة تمنعها من القيام بمهام قد تنطوي على مواجهات مع العدو. غير أن بعض التقارير الإخبارية اقترحت أن الجنود كانوا جزءا من مهمة أكبر لتعقب زعيم متشدد مشتبه فيه.
يثير ذلك العديد من التساؤلات: هل تم تغيير المهمة بعد أن غادرت قوات القبعات الخضراء قاعدتها التشغيلية؟ وهل تم إعطاء الجنود معلومات استخبارية سيئة أم أنهم أساءوا تفسير ما قيل لهم؟ لماذا انتظر الجنود وقتاً طويلاً قبل طلب المساعدة؟ لماذا استغرق الأمر وقتاً طويلاً لتحديد مكان جثة الرقيب جونسون؟ قال الجنرال جوزيف دونفورد الابن، رئيس هيئة الاركان المشتركة للصحفيين في الأسبوع الماضي، أن موقع الكمين كان "خطيراً بطبيعته".
أن تكون هذه الأسئلة الكثيرة قد أثيرت وتُركت بلا إجابة يثير سؤالاً جدياً آخر: ما هي بالضبط طبيعة المهمة الحقيقية للقوات الأميركية في أفريقيا؟
يقول المسؤولون الأميركيون إن للجيش الأميركي وجودا خفيفا في النيجر، لكن الخبراء يقولون إن السكان المحليين غالباً ما ينظرون إلى الوجود العسكري الأجنبي في أفريقيا -حيث تقوم فرنسا بعملية أكبر هناك- على أنه شديد الوطأة –مما يثير رد فعل عنيفاً ضد الحكومات المحلية والغربية.
وكان الكونغرس قد موَّل بعثات لتقديم المشورة والمساعدة، حتى قبل تأسيس قيادة أفريقيا في العام 2008، عندما انتشر تنظيم القاعدة وغيره من الجماعات المتطرفة في شمال أفريقيا. ورحبت النيجر الواقعة تحت التهديد بهذه المساعدة، وأصبحت أحد المتلقين الرئيسيين للمساعدة في مجال مكافحة الإرهاب في أفريقيا.
ومع ذلك، فإن جون ماكين، النائب الجمهوري من أريزونا الذي يرأس لجنة الأجهزة المسلحة في مجلس الشيوخ، وأعضاء آخرين في مجلس الشيوخ، يشتكون من أن البنتاغون لم يبلغ الكونغرس بشكل كامل بما يفعله في أفريقيا. وهدد ماكين مؤخراً باستدعاء مسؤولي البنتاغون لاستجوابهم بشأن الفشل فى النيجر، قبل أن يوافق وزير الدفاع جيم ماتيس على الاجتماع معه.
بينما وصفت وزارة الدفاع الأميركية عملية النيجر بأنها مهمة تدريب ومساعدة غير قتالية، فإنه يترتب عليها أن تفسر ما إذا كان قرار السيد ترامب بتخفيف القواعد المتعلقة بعمليات مكافحة الإرهاب، وإعطاء المزيد من سلطة اتخاذ القرار لضباط المستوى الأدنى، قد غيرت طبيعة الانخراط ووضعت المزيد من القوات في طريق الخطر. وقد أظهر الرئيس نفسه اهتماماً ضئيلاً بأفريقيا.
يشكل عدم الوضوح في عملية النيجر سبباً إضافياً آخر يجعل الكونغرس يستبدل قانون العام 2001 الذي منح التخويل باستخدام القوة العسكرية ضد تنظيم القاعدة، بتشريع يتصدى للتهديدات الحالية، مثل تنظيم "داعش"، ويعمل على الحد من التدخلات الأميركية وضمان الرقابة المنتظمة للكونغرس عليها. وبعد الكثير من التراخي والتردد، قررت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ أخيراً عقد جلسة استماع حول ذلك.

*نشرت هذه الافتتاحية تحت عنوان:
A Deadly Ambush’s Great Mystery: What Are We Doing in Niger?

التعليق