في شمال إفريقيا السني: مخاوف من ظل إيران الشيعي

تم نشره في الجمعة 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الجزائري بوتفليقة في اجتماع مع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف -(أرشيفية)

جوناثان لورنس* - (رويترز) 26/10/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يوم 16 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أعلن الجيش المصري أن ستة جنود و24 متشدداً من "داعش" على الأقل قتلوا في هجمات على مواقع أمامية للجيش في شمال سيناء. وفي ذات عطلة نهاية الأسبوع، اعتقلت الشرطة المغربية 11 عضواً من خلية "خطيرة للغاية" مرتبطة بالتنظيم، وصادرت منتجات كيميائية تستخدم لصنع قنابل. وفي الأثناء، قتلت القوات الجزائرية 71 مقاتلاً إسلامياً على الأقل حتى الآن هذا العام –وهي أكبر حصيلة منذ العام 2014.
تتواصل قائمة الاعتقالات والقتل ومصادرة جوازات السفر من مواطنين يريدون أن يصبحوا من المقاتلين الأجانب. لكن على قادة شمال إفريقيا تلمس الطريق في مسار طائفي شاق على نحو خاص. ومن أجل تجنب الشعور بأن محاربة التطرف يرقى إلى اضطهاد المدافعين عن الدين، يجب أن يُنظر إلى حكوماتهم على أنها تقدم إيماءات مرئية إلى الورع الإسلامي -بينما تنقض أيضاً على التبشير الشيعي من أجل دحض ادعاءات "داعش" بأن السلطات متواطئة مع "مخططات وبرامج" إيران لتقسيم المنطقة ونشر الإسلام الشيعي.
وكان حزب العدالة والتنمية الإسلامي في المغرب قد حذر مؤخراً من "غزو شيعي طائفي"، ودعا مفتي موريتانيا الأكبر قادة بلده إلى مقاومة "المد الشيعي المتصاعد". ودان وزير حكومي شمال إفريقي التقيت به "التوغل الشيعي من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية والمدارس الثانوية، وحتى مدارس القرآن"، وخلص إلى التساؤل بحسرة: "إنني أسأل نفسي عما إذا كان الفرس يريدون الهيمنة على العالم العربي".
بعد العراق واليمن وسورية ولبنان والبحرين، هل سيكون شمال إفريقيا هو الحلم التالي لسياسة خارجية إيرانية أكثر تأكيدية؟ تنبع هذه المخاوف من محاولة إيران توسيع نفوذها في الجزائر وموريتانيا والمغرب وتونس-و"أفنيتها الخلفية": السنغال ونيجيريا وغينيا ومالي.
وكان وزير الخارجية الإيراني قد قام بجولة في المنطقة في حزيران (يونيو) الماضي، واجتمع مع رؤساء الحكومات في الجزائر وموريتانيا وتونس، سعيا إلى تحسين العلاقات. وببساطة، قد تكون إيران تتطلع إلى شراكة اقتصادية جديدة لموازنة العقوبات الحالية عليها، لكن وصولها يبدو كافياً لجعل بعض القوى المحلية تتوتر. في نفس الوقت تقريباً، أطلقت إيران عبر الأقمار الاصطناعية برامج دينية شيعية باللغة العربية، موجهة إلى المنازل في شمال إفريقيا.
يُعتقد بأن هناك نحو 20.000 شيعي في الجزائر. وقد طلبت الحكومة مؤخراً تسجيلهم جميعاً. وقال وزير الشؤون الدينية الجزائري إنه لا حق للشيعة في نشر مذهبهم في الجزائر، "لأن من شأن ذلك أن يفضي إلى الفتنة ومشاكل أخرى". وشرح في مقابلة معه: "إن الجزائر لا تستطيع استضافة حرب أهلية لا تهمها. ليست الشيعية ولا الوهابية ولا أي طائفة أخرى من إنتاج الجزائر ولا تأتي من الجزائر. ونحن نرفض أن نكون ميدان المعركة لأيديولوجيتين خارجيتين وأجنبيتين". ومع ذلك، فإن العلاقات الدبلوماسية تقاوم التصنيفات السهلة. كما أن الجزائر واحدة من حفنة من البلدان، سوية مع إيران، التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع الثوار الحوثيين في اليمن، وهم شيعة. وكانت الجزائر المحطة الأولى في جولة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في حزيران (يونيو) الماضي.
في ضوء العدد الضئيل من الشيعة الذين يعيشون في شمال إفريقيا والرقابة الصارمة المفروضة على المساجد في المنطقة، يكون الحديث عن النفوذ الديني الشيعي واسع الانتشار غير واقعي. وسواء كان مستوى التبشير لاشيعي يبرر مستوى القلق أم لا، فإن القادة المغاربة والجزائريين ينظرون إلى سياسة إيران الإفريقية على أنها تشكل تهديداً لنظامهم المحلي وللأمن الإقليمي. ويوجد احتمال للنزاع الطائفي مع "الهراطقة" - أي الأقليات غير السنية المنتشرة في عموم المنطقة، وعددها بالملايين الذين يعيشون في ظل حكم سني سائد بشكل رئيسي. وبعض هذه المجموعات تابعة للإسلام الشيعي، لكنها ليست بالضرورة مصدراً للنزاع. وفي الجزائر، يثير مجرد اختلافهم -وتسامح الحكومة معهم في بعض الأحيان- هجوماً من المتشددين المحليين.
في الأثناء، تكافح الحكومات السنية مع حقيقة أن الخصمين -إيران وداعش- هما المستفيدان من غزو العراق في العام 2003، ومن سحق المعارضة السنية في سورية في العام 2017. وقد عزز تراجع النفوذ السعودي بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) وسقوط الحكم البعثي السني في العراق موقف إيران، بينما تضاءل النفوذ العربي السني في أفغانستان والعراق وسورية - وفتح طريقاً لـ"داعش".
رسمياً لا توجد أقلية شيعية في المغرب؛ وتضع تقديرات غير رسمية النسبة عند أقل من 2 في المائة. وعلى الرغم من ذلك، فإن وزارة الخارجية في الرباط اتهمت إيران بمحاولة تحويل "الأساسيات الدينية للمملكة". وهذه الضغينة إرث للعلاقات المتوترة بين آية الله الخميني والعاهل المغربي الراحل الحسن الثاني (والد الملك الحالي محمد السادس) في الثمانينيات. وكانت إدعاءات آية الله بالتفوق الإسلامي على كل المسلمين قد انطوت على تهديد لدور ملك المغرب كـ"أمير المؤمنين" بالنسبة لعشرات الملايين من أتباعه في عموم شمال غرب إفريقيا. وكان الحسن الثاني قد ترأس المجلس الدولي لعلماء المسلمين الذي أعلن أن آية الله مرتد - "إذا كان مسلماً، فإنني لن أكون كذلك"، ودعم العراق صراحة في حربه مع إيران.
في المقابل، رأى الحسن يداً إيرانية وراء متاعبه المحلية. فقد قدمت طهران ملاذاً آمناً لمجموعة المعارضة المغربية المسلحة "الشبيبة الإسلامية"، واتهم الحسن الثاني إيران صراحة بتكريس أعمال الشغب التي حدثت مؤخراً احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة، وبالانتفاضة العنيفة في المناطق الريفية الشمالية التي تشكل موطناً للعديد من البربر. وكانت المواجهات في شوارع مناطق الريف في العام 2017 قد وضعت المغرب مرة أخرى في حالة عدم توازن، وأحيت الاتهامات بعد جيل.
يظل الاختلاف عن الجارة تونس كبيراً. فقد تمتعت تونس بعلاقات جيدة مع إيران منذ العام 1990، بما في ذلك العلاقات على مستوى رفيع، قبل وبعد ثورة كانون الثاني (يناير) من العام التي أشعلت شرارة ما أصبح يعرف بالربيع العربي. وكانت التجارة مع إيران قد زادت بشكل كبير، لكنها لوحظت بالكاد مقارنة مع حجم التجارة الأكبر بكثير مع الاتحاد الأوروبي وشمال إفريقيا والصين وتركيا. وتفتخر تونس بأنها جزيرة للتسامح الطائفي في منطقة شديدة الاستقطاب. ويقول مسؤولون كبار في الشؤون الدينية بافتخار إنهم يمثلون كل الأديان، بما فيها المسيحية واليهودية، مع أن البلد يضم في الحقيقة القليل جداً من المسلمين غير السنة. وبعد ثورة 15 كانون الثاني (يناير)، وقعت تونس على معاهدة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وساعدت في حماية الحرية الدينية في المادة 6 من دستورها الجديد.
على الرغم من ذلك، حافظت السعودية على ميزتها الطبيعية. فبعد شهر من مغادرة وزير الخارجية الإيراني لتونس، وصل وفد حكومي سعودي ضم 53 رجل أعمال. ووقعوا على اتفاقيات مع الحكومة بقيمة 200 مليون دولار لمشاريع تنموية، بما في ذلك بناء عدة مستشفيات وتجديد مسجد القيروان التاريخي.
ولكن، لا تتمتع كل البلدان في شمال إفريقيا بتلك الحرية عندما تحس بوجود معركة أيديولوجية ثنائية بين "داعش" وإيران. وفي رد على انتقادات وزارة الخارجية الأميركية للتحيزات الدينية في الجزائر، قال الوزير الجزائري: "إذا أرادوا أن يتهمونا بالدفاع عن الإسلام وتقاليدنا التاريخية فدعوهم يفعلوا".
اشترت هزيمة "داعش" في الرقة الوقت لحكومات شمال إفريقيا لتعزيز مجتمعاتها الدينية. لكن تلك الهزيمة نفسها تزيل عائقاً من أمام النفوذ الإيراني –على نحو يشبه سقوط بغداد قبل 15 عاماً تقريباً. ولا يجب توقع أن المنافسة على القيادة من الخليج العربي سوف تحل في أي وقت قريب.

*زميل رفيع غير مقيم في معهد بروكينغز، وهو أستاذ العلوم السياسية في كلية بوسطن ومؤلف "التكيف مع الهزيمة: الإسلام السني والكاثوليكية الرومانية والدولة الحديثة".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: In Sunni North Africa, fears of Iran’s Shiite Shadow

التعليق