الحياد

تم نشره في الأحد 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:04 صباحاً

في العالم اليوم لا أحد ينكر براعة النهج الأردني في إدارة ملف علاقاته مع جيرانه العرب والعجم، والتزامه الواضح بقواعد الشرعية الدولية، واستعداده البالغ للتعاون مع المنظمات الدولية والإسهام في رفد جهودها في التعامل مع آثار الحروب والصراعات، بما في ذلك الحفاظ على الأمن ورعاية اللاجئين وغيرها من المواقف والأنشطة التي أكسبت الاردن سمعة دولية حسنة وكرّست له صورة ذهنية كدولة تحترم التزاماتها وتؤدي أدوارها وتسعى لتصبح أنموذحا للدول الاكثر التزاما بالمواثيق والمعاهدات ومبادئ الامن والسلم الدوليين، بالرغم من موقعها وسط اقليم دموي يزخر بأحداث العنف والقتل والصراعات المسلحة والتعديات الصارخة على حقوق الانسان والشعوب وتتصاعد في ارجائه النزاعات الطائفية والعرقية والتمييز على اسس الدين والجنس والنسب وغيرها من المشكلات التي اصبحت احدى ملامح المنطقة العربية واكثرها ارتباطا بصورتها.
على الصعيد الاخر يبدي الكثير من المتابعين لمواقف وسياسات الاردن حيال الازمات والاصطفافات العربية والاقليمية شديد اعجابهم بقدرة الاردن على الإبقاء على مسافة آمنة من الفرقاء ومقاومة كل الاغراءات والضغوط الرامية لزج البلاد في صراعات داخلية وبينية يختلط فيها العام بالخاص والخارجي مع الداخلي دون وجود مؤشرات وأسس يمكن الارتياح لنتائجها وآثارها على مستقبل المنطقة والاقليم والعالم.
على الصعيد المحلي يتحدث البعض بأصوات خافتة عن عجز السياسة الخارجية الاردنية عن اتخاذ مواقف واضحة من الأحداث والأزمات التي عصفت بالاقليم ويأخذون على الحكومات المتعاقبة إدامة حالة من الغموض والتردد في بلورة موقف واضح من ما يحدث في الجوار الأمر الذي انعكس سلبيا على اقتصاد البلاد وأحالها الى ما يشبه الجزيرة المحاصرة.
 السياسة الخارجية الأردنية حيال ملفات المنطقة والاحداث المتتالية في كل من العراق وسورية واليمن وليبيا وازمة قطر مع جيرانها وحليفتهم مصر سياسة ثابتة ومتوازنة ومنسجمة مع مبدأ "احترام سيادة الدول، وعدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية لها" هذه السياسة  تحظى بإعجاب دولي لكنها لا تروق للكثير من جيراننا العرب، وتتعرض لبعض النقد في الصالونات السياسية ومن بعض الذين عملوا في مواقع التأثير على صناعتها وادارتها.
  المواقف الاردنية المتسمة بالحياد من قضايا الصراع والحروب الاقليمية لها ما يبررها، فباستثناء الاحتلال الاميركي للعراق والسعي الممنهج للاطاحة بالنظام ومؤسساته كانت الصراعات في سورية والعراق واليمن وحتى في البحرين قضايا قبلية وجهوية بنكهة طائفية، وكان التدخل الخارجي الداعم لهذه الصراعات يأخذ طابعا ثأريا قلما يلتزم بالمصلحة العامة للامة والشعب وقضاياه التي جرى استخدامها كشعارات لإدامة الصراع وتغذية الكراهية بين الفرقاء المتصارعة واتباعهم.
وسط الاصطفافات العربية التي اصبحت ظاهرة للعيان يبقي الاردن على حالة الدعم الاسمي لبعض الاطراف الداخلة في الصراع من باب المجاملة والحياد الفعلي او "الوقوف على مسافة واحدة من الفرقاء" على المستوى العملي.
 المواقف الاردنية التي يحلو للبعض ان يطلق عليها صفة "الغموض الإيجابي" هي احد العوامل التي أسهمت في استقرار البلاد وجنبها الكثير من الاخطار التي ما كان من الممكن مجابهتها لو دخلت البلاد في قوائم الاصطفافات التي سريعا ما تتبدل تبعا للأمزجة والمصالح.
 اليوم ومع قرب انتهاء مرحلة الصراع المسلح في سورية ودخول القوات العراقية الى آخر معاقل داعش وتعمق العلاقة السعودية المصرية تبلور في محيطنا محوران احدهما سني تقوده السعودية والآخر شيعي يشمل كلا من سورية والعراق وايران. حتى هذه اللحظة ظل الاردن خارج هذه الاصطفافات يحاول توفيق أموره من خلال إشارات ايجابية للجميع، فمن ناحية يجد الاردن نفسه وهويته الثقافية ومصالحه التجارية وسط محيطه الشامي العراقي لكنه يصر في خطابه السياسي على عمق العلاقات الأخوية العربية والحرص على تقوية أواصرها وتدعيمها.
من الناحية العملية لا يواجه الاردن اي مشكلة في الاندماج مع محيطه ايا كان المحور السائد؛ فالشيعة تشيعوا لآل البيت والسنة يتبعون السيرة المحمدية. المطلوب من السياسة الخارجية الاردنية التي نجحت في حمل العصا من الوسط أن تحركها بأي اتجاه، فالعامل يتغير بسرعة تفوق التوقعات والاستمرار في اتباع سياسة "فلننتظر لنرَ" قد لا تكون مجدية بعد أن تتشكل الأحلاف خصوصا إذا ما كانت اسرائيل طرفا فيها.

التعليق