قاسم اسطنبولي ورحلة إنقاذ دور السينما اللبنانية القديمة

تم نشره في الثلاثاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • باميلا كسرواني - متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

باميلا كسرواني-  متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

"المسرح وسيلة تساعد على جمع الناس بصرف النظر عن دينهم ولونِهم وعرقهم، فالمتعة تكمن في مشاركة ما يُقدّم على هذه المسارح"، هذه العبارة تعكس السبب الجوهري الذي يحمل اللبناني قاسم إسطنبولي في رحلته لإعادة إحياء دور السينما والمسارح اللبنانية القديمة بعيداً عن العاصمة بيروت وتحديداً في جنوب لبنان؛ منطقة عرفت في الماضي العصر الذهبي للمسارح وتشهد اليوم إهمالاً كبيراً على صعيد الفنون بشكل عام.
هذه الرحلة قد تكون بدأت عام 2014 إلا أن شغفه بالفن والتمثيل سبق ذلك بكثير. فقد انطلقت مسيرة قاسم مع فرقة مسرحية أقامَت عروضاً في الشارع أو ما يسمى "مسرح في الفضاء المفتوح". وهنا يشرح لنا أنهم اتبعوا هذا النهج "بسبب عدم وجود مسارح وطنية أو قوميّة مجانية في بيروت أي تلك التي لا تتطلب بدلاً مادياً لإقامة العروض فيها، على خلاف البلدان العربية كمصر والجزائر وتونس".
اتخذت هذه الفرقة اسم "مسرح اسطنبولي" تيمّناً بخلفية عائلة قاسم. ويخبرنا: "جدي كان حكواتيًّا وكان أيضاً يعرض أفلاماً سينمائية. هذا كان بمثابة حلم بالنسبة لي، لكن المكان لم يكن متوفراً لديّ". ويشير قاسم إلى ضرورة تسمية الفرقة والحصول على رقم مالي من أجل المشاركة في المهرجانات الدولية وقبض الأجور ما حمله إلى تسميتها "مسرح اسطنبولي".
من ضرورة الواقع إلى إمكانية افتتاح مسرح صغير، ولِد، عام 2014، "مسرح اسطنبولي" أو "مسرح الغرفة" في مدينة صور الجنوبية وكان عبارة عن غرفة واحدة و70 كرسيّاً . ويتذكر قاسم:  "كان الأمر صعباً في البداية بسبب عدم توفر الأرضية المناسبة من مسارح أو دور سينما في المدينة. عندها، وجدت أن هذا الحلم الشخصي هو حلم لأبناء المدينة كلّها. حاولت أن أفتتح مسرحاً صغيراً مجانيّاً، وعندما وجدت تجاوباً من قبل الناس وخصوصاً الأطفال عند كل نشاط أو كرنفال في الشارع كنت أقيمه، لمست تعطّش الناس لوجود مسرح أو سينما في المدينة".
"سينما الحمرا" تنفض عنها الغبار.. لفترة وجيزة
تعطش الجمهور كان حافزاً لقاسم ليعمل على إقناع أصحاب "سينما الحمرا" المغلقة على إبرام عقد لمدة سنتين. ويخبرنا:  "وقتها، اقترضت مبلغاً من البنك ورممت هذه السينما التي كانت مغلقة لأكثر من 30 عاماً" متابعاً "كانت سينما الحمرا بالنسبة للسكان بمثابة ذاكرة المدينة، وشغفاً لهم، وتعني لهم الكثير لرمزيتها وكونها من أقدم دور السينما في لبنان".
نجح المشروع لدرجة أنه استقطب انتباه مهرجانات بيروت كما انطلق مهرجان صور الدولي للمسرح والسينما والموسيقى إضافة إلى دورات تدريبية وعروض أسبوعية. ومن أجل إتمام المهمة، تكوّنت مجموعة من المتطوعين؛ انضمّ إليها العديد من الطلاب الذين تدربوا في مسرح الحمرا وفنانين وشباب غير لبنانيين من المخيمات الفلسطينية الموجودة في المنطقة ليشكلوا فريقاً من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين ويطلقوا، عام 2015، "جمعية تيرو للفنون". 
ويضيف قاسم :" كانت الرغبة بإقامة مشروع في المدينة التي نعيش فيها بشكل حرّ غير تابع لفكر معين أو سياسة معينة لاسيما أن الفن يتطلّب استقلالية وألاّ يتحوّل لـ "بوق" يسوّق لثقافة معينة. يفتقر جنوب لبنان للسينما والمسرح والموسيقى ويتركز الاهتمام على الشعر والندوات السياسية التي تعتبرها أغلب القرى أنها الثقافة. تقام هذه النشاطات الثقافية في أماكن محدودة تابعة لجهات سياسية معينة، أي أنه لا وجود لمراكز ثقافية مستقلة وهذا ما يعدّ مشكلة بحد ذاتها".
مشكلة أراد قاسم ورفاقه إيجاد حل لها على طريقتهم، أي عبر الفن والمسرح والسينما إلا أن طريقهم اصطدمت بقرار أصحاب "سينما الحمرا" بعدم تجديد العقد. ويقول قاسم متحسّراً: "هذا الشعور يقارب شعور من سُلب منه ولد من أولاده، شعور صعب جدًا. خلال تلك السنتين، علّمنا 70 طالباً وطالبة فنون المسرح، كذلك درّبنا طلابًا على السينما والتصوير والرسم وكل هذا كان مجّانًا..".
سينما ريفولي وستارز لمواصلة المشوار..
إلا أن تعثر المشروع مع سينما الحمرا لم يكن حجر عثرة لقاسم وفرقته لا بل دفعهم للبحث عن دور سينما ومسارح أخرى مهملة في المنطقة. اليوم تعمل الفرقة على ترميم سينما "ريفولي" في صور. ويخبرنا قاسم "أبرمنا عقداً مع سينما "ريفولي" لمدة عشر سنوات وهي آخر سينما موجودة في مدينة صور. بدأنا منذ بضعة أشهر العمل على ترميمها، ومن المفترض أن نفتحها في وقت قريب".
الخبرة حملت قاسم لنقل تجربته إلى النبطية وتحديداً إلى سينما "ستارز" التي يريد تطويرها وترميمها ليجمع بين النشاطات المجانية وإنما أيضاً لإقامة مكتبة ومقهى.
ويقول قاسم: "سينما "ستارز" هي الوحيدة المتبقية في المدينة. احتاجت إلى مجهود كبير لترميمها كونها تقع في طابق سفلي. افتتحناها من خلال مهرجان سينمائي يعدّ الأول في مدينة النبطية، جمع 8 دول وفرق من بلدان متعددة مثل سلوفينيا، والأرجنتين، واسبانيا إضافة إلى فرق من بلدان عربية وفرق محلية من المدينة".
وإضافة إلى المهرجانات المتعددة، يقدّم المسرح العديد من الورش المختصة بالمسرح، والرسم، والتصوير من دون أن ننسى أسبوع أفلام سينمائية منها الإسباني، والسويسري، والإيراني.
وفي خطوة لإنقاذ سينما "ستارز"، أطلق قاسم حملة للتمويل الجماعي حيث يُضاف المبلغ إلى ما يتمّ جمعه ضمن صندوق مساعدات وتبرعات فردية. هذه الأموال ستوظّف من أجل العمل على شراء وترميم السينما لتُصبح باسم الجمعية وتتحوّل، على حد قول قاسم، إلى "سينما ومسرح مجانيين أي أشبه بسينما وطنية يستطيع أي شخص استخدامها".
ولكن هل من نية لبيع السينما وتحقيق الحلم؟ يقول قاسم إن أصحاب هذه الدور مثل "الحمرا" و"ريفولي" وستارز" يريدون بيعها وإنما لتحويلها لمحلات تجارية ويحاول قاسم وجمعيته التصدي لذلك من أجل الحفاظ على الإرث الذي تحمله هذه المسارح.
ويقول لنا: "هذه مشكلة صعبة أشبه بـ"الحفر بالصخر" في ظل وجود أرضية غير خصبة وذهنية بعيدة عن السينما والمسرح لكننا نحاول إيجاد ثقافة مختلفة والتغيير قدر المستطاع عكس التيار الموجود". 
اللامركزية الفنية..
هذا ما يركّز عليه قاسم قائلاً: "أنا ولدت في مدينة صور وعشت فيها، واليوم إذا أردت أن أقيم عروضاً مسرحية أتوجه إلى بيروت وذلك يعود لكونها أرضاً خصبة، بالإضافة إلى الشهرة والإعلام والمؤسسات المانحة فيها؛ فبيروت تشكّل المركزيّة، الأمر الذي همّش بقيّة المناطق". ويتابع: "وجدت أنه إذا استمريت في تقديم العروض في بيروت سأكون كغيري، لكن هناك منحى انسانياً يجب أن أقوم به من خلال تقديم هذه الفنون للأشخاص المتعطشين لها في مناطقهم، كسكان المخيمات والنازحين".
ولا يتوقف قاسم عند هذا الحد فيضيف: "وجدت أن الأولوية لمنطقتي وهو حقّ لي بأن يكون في مدينتي قاعة سينما أو مسرحاً فقد حان الوقت لتعويض ما حُرمت منه في فترة من الفترات وتوفير سينما ثقافية لا تجارية". وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد إلا سينما تجارية واحدة في جنوب لبنان تقع ضمن مول في منطقة صيدا. ويعتبر قاسم أن الأمر يشكل مشكلة كبيرة لأنه "عندما تغيب السينما والمسرح نحن أمام غياب المراكز الثقافية ضمن هذه المساحة الجغرافية الكبيرة". ويتابع: "مع العلم أن صور كانت تضمّ، تاريخيًا، 5 دور سينما كذلك النبطية، ووجدت 9 دور في صيدا وواحدة في بنت جبيل بالإضافة إلى مرجعيون وجزين والخيام، أي أن جنوب لبنان كان يضم حوالى ثلاثين دورًا سينمائيًّا".
ويرى أن المشكلة ليست في الناس بل في إهمال الدولة وأصحاب القرار في الجنوب. ويشير "هناك توجه معين سائد في المدن. فصور مثلاً تضمّ 400 مقهى ومكتبة واحدة يزورها حوالى 50 شخصاً خلال السنة بينما تفتقر المدينة إلى قاعة سينما أو مسرح".
ويتابع: "إذا لم يكن في المدينة مسرح، كيف سيدرك الناس أهمية وجوده؟ أنا اليوم أدرّس مادة المسرح في إحدى المدارس، أسال الأولاد أتحضرون مسرحيات أو أفلاماً؟، يقولون لا، أتسمعون موسيقى؟ يقولون لا". ويضيف "كيف سيدرك الولد أن قاعة السينما تعطيني ثقافة، أو أن هذا المسرح يطوّر النفس ويزيد من وعي الشخص؟".
هذه العوائق بدأت تتلاشى بفضل حضور المسرحيين الأجانب إلى جنوب لبنان على حسابهم الخاص. ويذكر قاسم أنه نُظّم أول عرض مكسيكي في النبطية وأول عرض سعودي أقيم في صور.
وتتواصل مشاريع قاسم وجمعيته مثل إقامة مسرح يومي أسبوعي أو التوسع إلى مناطق لبنانية أخرى أو حتى إقامة مسرح وسينما جوالة. فيبقى الهدف التحدث عن "ثقافة الفن، والحياة، والموسيقى؛ ثقافة فكرية نستطيع أن نربي أولادنا على أساسها"، على حد قول قاسم.
وهنا يخبرنا: "الناس الذين كانوا يقصدون دور السينما لديهم شغف بها وحنين إليها. عندما زرت طرابلس لمست حبّ الناس للسينما وحزنها لغيابها، وشعرت كيف كانوا يتحدون ضمن إطار الفن وهو حالة جمالية تنشد الفرح".
ويشدد قاسم على أن "الجيل الجديد بحاجة إلى مسارح إلزامية في المدارس وبحاجة إلى معرفة المزيد عن أهمية السينما والمسرح كغذاء للعقل والروح. وهنا يكمن الصراع بحد ذاته في ظل التقصير والتهميش وغياب الدعم".

التعليق