جمانة غنيمات

ثورات سعودية متتالية

تم نشره في الثلاثاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:10 صباحاً

لا تكاد تمضي فترة قصيرة إلا وتأتي أخبار ساخنة من السعودية، تشغل الفضاء العام محليا وعربيا وعالميا، ما يثير تساؤلات وتحليلات، لينشغل العرب والعالم بما يحدث هناك.
منذ تولى الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود الحكم، ومنذ هيّأ الطريق لابنه الأمير محمد ليكون وليا لعهده، والتطورات في السعودية تخبرنا بنتيجة واحدة؛ ثمة تغييرات ستقودنا إلى سعودية جديدة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
التغيير الأساسي كان في تولي الأمير محمد بن سلمان موقع ولي العهد، بعد أن كان وليا لولي العهد. من هناك بدأت التحولات الواضحة، وصارت تخرج علينا الأنباء التي تخبرنا أن عجلة التغيير قد بدأت.
إعلان الحرب في اليمن جاء بمثابة إيذان بتحرك سعودي ضد الحضور الإيراني في المنطقة، بعد أن بات حضور الأخيرة واضحا في أكثر من دولة عربية. بعدها كان إعلان الأمير محمد بن سلمان عن رؤية السعودية الاقتصادية 2030، فكانت عنوانا لثورة اقتصادية محكومة برؤية اقتصادية مختلفة، تعيد تشكيل هوية الاقتصاد من نفطي رعوي إلى اقتصاد منتج قائم على النوع، وتهيئة السعودية إلى مرحلة ما بعد النفط بحيث يكون الاقتصاد معتمدا على مصادر أخرى.
بعد ذلك، خرج علينا الأمير الشاب، برؤيته فيما يتعلق بالدولة والدعوة، وهي ثورة ثانية حقيقية، إذ تعهد بالعودة "إلى ما كانت عليه بلاده من الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم"، في تصريحات نادرة، تؤكد أنه يرغب بقيادة مملكة معتدلة ومتحررة من الأفكار المتشددة.
الثورة الثالثة والتي لا تقل أهمية عما سبقها من ثورات تتعلق بالقرار التاريخي الذي يسمح للنساء بقيادة السيارة، وفي هذا ثورة اجتماعية تسعى لتغيير أحوال النساء في المملكة التي ظلت لعقود تحظر القيادة على النساء.
قرار سواقة السيارات لا يفصل عن تصريحات الأمير المتعلقة بالعلاقة بين الدولة والدعوة، إذ حمل كلامه رسالة واضحة للمؤسسة الدينية التي ما فتئت تتحكم في مفاصل الأمر في بلاده، ولا تنفصل عن ذلك التعليمات التي صدرت سابقا والمعنية بالتخفيف من صلاحيات رجال الدين من خلال "هيئة الأمر بالمعروف" والذين يتمتعون بقوة وحضور كبيرين في المجتمع السعودي. غير أن ولي العهد كان صارما في قرار الحد من سلطتهم، وصولا إلى توقيف عدد من رجال الدين المعروفين خلال الفترة الماضية، والذين يستمد التيار الديني قوته منهم.
عجلة التغيير في السعودية كانت كأنما لا تتوقف، فجاء الإعلان عن مشاريع استثمارية عملاقة، آخرها مشروع نيوم الضخم في شمال غرب البلاد يشمل أراضيَ في الأردن ومصر واستثمارات تبلغ أكثر من 500 مليار دولار.
لكن الوجبة الأخيرة من أخبار السعودية، جاءت ساخنة وغير متوقعة نهائيا، والتي تضمنت اعتقالات لأمراء وشخصيات مهمة بتهم الفساد، ما أدخلنا في أجواء جديدة لقراءة وتحليل ما يحدث هناك، خصوصا أن إعلان رئيس الحكومة اللبنانية استقالته متلفزة من الرياض يدخل في صميم التغيرات الجارية في السعودية.
القصد من العرض السابق تجميع الصورة كاملة، وهو مشهد يقول لنا إن الأمير الشاب الذي يدير أهم خمسة ملفات في بلاده، ويحكم بشكل حقيقي ومباشر، اتخذ جملة من الإجراءات السياسية والأمنية بهدف توسيع نفوذ المملكة ونفوذه أيضا، من أجل مواجهة التغيرات الداخلية والإقليمية والعالمية، وتحضيرا لمستقبل المملكة التي سيحكمها مستقبلا، والتي يتشكل أكثر من نصف مواطنيها من الشباب.
تقييم ما يحدث أمر ليس هيّنا، فمن الممكن أن يطلق عليه بعضهم تهورا، بينما آخرون يعتبرونه شجاعة كبيرة في التصدي لتغيير مسار دولة سارت فيه على مدى عقود طويلة. أغلب الظن أن الرأيين صحيحان، فهناك رؤية واضحة وقرار بالتغيير والعمل لبناء سعودية مختلفة تكون حاضرة لتحديات المستقبل، وتتخلص من تقييمات الغرب السلبية لدورها ونتاجها.
التكهن بما هو قادم أمر معقد، أما النجاح في التطبيق فمسألة سيخبرنا عنها المستقبل. ما علينا أن ندركه كعرب، أن وجه السعودية سيتغير، وسينعكس علينا جميعا، وعلينا أن نتحضر لذلك.

التعليق