أصدقاء عدي مدانات يستذكرون إبداعه ودفاعه عن الحرية بعد عام على رحيله

تم نشره في الأربعاء 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:02 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 10:24 صباحاً

عزيزة علي

عمان - في الذكرى الأولى لرحيل القاص والروائي المحامي عدي مدانات، استذكر أصدقاؤه ومعارفه ألقه ودوره في الدفاع عن الحق والحريات برضى نفس ودون أجر، سوى قيمة الحرية العالية.
"الغد" سألت معارف الراحل عن غياب العام، وعما تركه مما يمكث في الأرض، فتحدثوا عن ألم الرحيل، وعن قيمة مدانات الابداعية والانسانية والثقافية، ودوره في تأسيس رابطة الكتاب الأردنيين، وعن فرحه الطفولي النقي عندما كان يعثر على قصة جميلة لكاتب مبتدئ، فيعمل على تشجيعه لتطوير هذه التجربة وتعميقها.
ورأى الكتاب والمثقفون والنقاد أن مدانات لم يغادر أجمل السمات التي زرعت فيه منذ طفولته، وسعيه وراء المعرفة، فلم يرهبه الاختلاف عن السائد، ولا الميل إلى التعرّف على الجديد، أو المجهول.
وبينوا أن مدانات عاش زاهدا فيما تهافت عليه الآخرون، فلم يتقرب من السلطة، ولم يساوم، بل عاش حياة ثرية مستغنيا ومترفعا عزيزا، مؤكدين أن رحيله خسارة فادحة وجرح لن يزول، كما أن في رحيله خسارة للقصة في الأردن والعالم العربي، فجميع اعماله حافلة بالتفاصيل الدقيقة وحواراته محفزة وحكيه النافذ الى الجوهر الانساني.
ومدانات الذي ولد في 1938 - في العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، كان مناضلا في سبيل الحرية ومدافعا شرسا عن المظلومين، وهو من ابرز رواد كُتّاب القصة القصيرة في الأردن، درس الحقوق في جامعة دمشق، وشهد تأسيس رابطة الكُتّاب الأردنيين في 1974. اهتم اهتماماً كبيراً بمجال القصة القصيرة، وقد عمل على كتاب بعنوان "فن القصّة القصيرة: وجهة نظر وتجربة"، بالإضافة إلى دراساته النقدية والأدبية.
بدأ في الكتابة الأدبية منذ العام 1983، وصدر له العديد من القصص القصيرة والروايات، من أبرزها "المريض الثاني عشر غريب الأطوار"، "صباح الخير أيتها الجارة"، "الدخيل"، "ليلة عاصفة"، "شوارع الروح"، "تلك الطرق"، و"الآنسة ازدهار وأنا".
أبو بكر: حبّ العدالة صار عنده مهنة
الناقد والروائي وليد أبو بكر قال: "مدانات المحبّ لم يخذل طفولته، تعرّفت عليه ونحن نغادر طفولتنا. كان كل شيء حوله يثير تساؤلا أكبر من قدرته على الإجابة، لكنه يصر على المواجهة، بالبحث عن علة له، يقبلها العقل، ولا يفرضها النقل.
مع كل ذلك كان يتعامل بابتسامة صيغت من حبّ، يغمر من حوله، فينقل إليهم فرحا متفائلا بأن تكون الأجوبة ــ ذات مستقبل ـــ في متناول اليد، غبت عنه، وكبرنا، وعدنا التقينا، ومدانات كاتب معروف، ومحام له مكانته. لم أشعر بأننا افترقنا، ما يزال الإنسان الوديع الذي يحبّ: أدركت أن صديقي الذي حملته في ذاكرتي سنوات فراق طال، لم يغادر أجمل السمات التي زرعت فيه، منذ طفولته، حين بدأت أفكاره تتشكل: من سعي وراء المعرفة، وعدم رهبة من الاختلاف عن السائد، ومن ميل إلى التعرّف على الجديد، أو المجهول، وتمييزه إذا أقنع، حتى وإن عاكس القويّ الشائع".
أبو بكر يتذكر الراحل "وهو يقرأ نجيب محفوظ، فيستغرب الذين تفشى فيهم أدب السوق أوائل خمسينيات القرن الماضي، ويحبّ عبد الحليم حافظ، منذ أغانيه الأولى، بينما يهزّ الناس رؤوسهم استنكارا لهذا الصوت الغريب الذي لا يشبه ما تعودوا عليه من أصوات.
لم يكن يتظاهر أو يسعى وراء الاختلاف، بل حدسه كان يخطّ له الطريق. تقييمه الفطريّ الذاتي لمثل الخير والحق والجمال التي تكتب المستقبل. بساطة فلسفته في رؤية هذه المثل، حتى حدود المطلق. حساسيته الفنية، المستقلة تماما، الباحثة عما يضيء، دون أن تؤثر فيها نجوم تسطع، أو عيونٍ من تعوُّدٍ يغشيها شعاع إضاءة.
من مخرجات هذه الطفولة، البسيطة في سطحها كابتسامة عدي الدائمة، العميقة في جذورها، مثل قناعات عدي التي لم تهتزّ، تفرّعت توجهاته، فكان لها عنوانان: الحبّ الإنساني الفائض، الذي صار توجها فكريا، وانتماء حياة، وحبّ العدالة، الذي صار مهنة، تدافع عن حق الناس في الحرية، وفي أن يكونوا ما يشاؤون".
ويختم بالقول "عدي مدانات؛ كم أحببتك، كم أفتقدك يا صديقي الذي ظلّ كما بدأ".
 النسور: علامة فارقة بالتاريخ الأدبي
القاصة بسمة النسور، قالت "مدانات قامة إبداعية وعلامة فارقة في تاريخ الادب العربي والاردني، ظل متعصبا لفن القصة رغم منجزه الروائي المتميز.. كان يفرح مثل طفل حين يعثر على قصة جميلة حتى لو كانت لكاتب مبتدئ ولا يجد حرجا في التعبير عن اعجابه ويكيل المدح بسخاء للكاتب او الكاتبة  ويعمل على تشجيعه لتطوير هذه التجربة وتعميقها".
وتضيف "كنت محظوظة بما يكفي كي أتتلمذ على يديه في القصة وفي المحاماة.. عند الاقتراب من عالم مدانات ستصيبك الدهشة لفرط النقاء والبراءة والعفوية والصدق والنزاهة التي تميز شخصيته..  كاتب كبير وانسان جميل صاحب مبدأ. زاهد فيما يتهافت عليه الآخرون لم يتقرب الى سلطة، ولم يساوم، عاش حياة ثرية مستغنيا مترفعا عزيزا.. رحيله خساره وجرح لن يزول".
عبيد الله: محام ومثقف ومسيس حر
أما أستاذ النقد والأدب بجامعة فيلادلفيا د. محمد عبيد الله، فيؤكد أن "مدانات علم بارز من أعلام القصة القصيرة الأردنية والعربية، لا نستذكر اسمه إلا وتحضر معه أطياف الواقعية، فقد اختار منسجماً مع نفسه وموقفه الفكري والفني الاتجاه الواقعي الذي كرّسه أساتذة القصة القصيرة العالمية والعربية، وهو اتجاه صعب، يحتاج وعيا استثنائيا وموقعا وموقفا، ورؤية، فليست الكتابة فيه نسخاً لمقتطفات من الواقع الحقيقي، وليست اعتمادا أعمى على "المرجع الواقعي" ولكنها عملية فنية صعبة ينقد فيها الكاتب "الواقع"  وينقضه، ليرسم بأناة ومتعة الواقع البديل، دون أن يجنح في كل ذلك إلى كتابة الخواطر الشعرية أو تقديم الزخارف أو الصور المجانية".
عبيدالله يبين أن مدانات كتب بهذا المعنى قصصا تواصل الحفر فيما بدأه "تشيخوف" وأمثاله من أمراء القصة القصيرة، وما طوّره كتّاب عرب مثل نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وغالب هلسا، وغيرهم من أعلام "الواقعية القصصية"، مع ميل خاص لاقتناص الخصوصية النفسية والداخلية لشخوصه، وإلى العطف على الشخصيات الكادحة والمهمشة لتكون مادة لسرده وقصصه.
ويشير عبيدالله إلى عمله في المحاماة، وتجربته الثرية في الحياة، وميله إلى التأمل والصمت، إلى جانب ثقافته العريضة المتنوعة كان "خير معين له في مسيرته الأدبية الغنية"، وأما كتابه "فن القصة" فيعتبره مساهمة لافتة في النقد القصصي الذي يعتمد على خبرة الكاتب وممارسته الفعلية للكتابة، وهو يذكرنا بالمساهمات النقدية لكبار كتاب القصة، وهو خلاصة لتجربته في هذا الفن الحيوي.
ويضيف "مدانات كان رجلا نبيلا وصادقا بكل معنى، وكان أصدقاؤه ومعارفه يجدون في صداقته واللقاء به كل متعة، متواضع بصدق، وعفوي كطفل، يجادل ويدافع عن رأيه دون استبداد أو انغلاق، مبينا أنه بذكرى رحليه نتذكر ألقه الباقي، ودوره في تأسيس رابطة الكتاب، ودفاعه عن المعتقلين السياسيين بصفته المحامي المثقف والمسيّس الحر الذي يدافع عن الحق والحريات برضى نفس ودون أجر، سوى قيمة الحرية العالية".
العدوان: صاحب مدرسة في القصة البسيط
القاص والمسرحي مفلح العدوان يقول "عندما نستذكر مدانات تأتي معه ابداعاته القصصية، وسرده الشفيف كما كان حضوره الانساني حين كان بيننا صاحب موقف انساني، ودماثة قل نظيرها، مع مهابة تسبقه أنى حضر، وهو صاحب الملاحظة الدقيقة في الحياة، التي تنعكس داخل قصصه التي كتبها"، مشيرا إلى أن مدانات بقي مخلصا للقصة حتى رحيله.
ويضيف "نفتقد مدانات بعد عام على رحيله مثلما يفتقده محبوه، فالكلمة تبحث عن صاحبها، وهو صاحب مدرسة في القصة البسيطة الواقعية التشيخوفية والتي كانت تعكس نظرته للحياة وللعامل حوله، ومن شدة اخلاصه للفن القصصي كان انجازه كتابه فن القصة - وجهة نظر وتجربة".
ويبين أن غياب مدانات خسارة للقصة في الأردن وفي العالم العربي. ويضيف "هو قامة في هذا المجال، وهو مؤثر في كل ما كتبه، إذ إن له عالمه الفني الحافل بالتفاصيل الدقيقة وحواراته المحفزة وحكيه النافذ الى الجوهر الانساني.. رحمة الله على عدي مدانات القامة الابداعية والانسان الشفاف، هو ما يزال بيننا بذكره وابداعاته حتى وإن غاب".

التعليق