علاء الدين أبو زينة

الاغتراب والإرهاب..!

تم نشره في الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:07 صباحاً

في ذهن الشباب الذين سئموا من قتامة الأحوال هنا، صورة المهاجر الغني الذي يذهب إلى الغرب هرباً من الظروف المحلية وبحثاً عن الفرصة، فيجد السعة والنجاح. ومع أن صلات بعض هؤلاء المهاجرين لا تنقطع تماماً مع أوطانهم الأصلية، فإن الكثيرين منهم يتماهون مع المجتمع الجديد وينتمون إليه. وبعد جيل أو اثنين، يطلق على أبنائهم وأحفادهم وصف "من أصل عربي" مضافاً إلى جنسيته الغربية. لكن هناك الكثير من المغتربين الذين يتجاهل الناس هنا فشلهم، ربما رغبة في الاحتفاظ باحتمال الهجرة والهروب، كأمل أخير –حتى لو كان مستحيلاً في معظم الأحيان.
هناك الذين يذهبون فلا يتمكنون من الاندماج في المجتمعات الغريبة. وهناك الذين يفشلون في الحصول على عمل جيد، فيعيشون مع الفقر إلى جانب الغربة. وهناك الذين يظلون مصابين بمرض الحنين، وتصطادهم المنطقة الرمادية، فلا يتقدمون ولا يعودون. لكن الهجرة دائماً حالة غير طبيعية، يُضطر إليها الإنسان إذا عاندته الظروف أو أجبرته أحداث قاسية على الرحيل. والحالة الطبيعية، هي أن يعيش الإنسان في وطنه حراً كريماً وآمناً.
هذه الحالة الطبيعية هي التي أصبحت مفتقدة الآن أكثر من أي وقت مضى في كثير من أنحاء العالم المُتعَبة، وفي منطقتنا بشكل خاص. في هذه الأنحاء، يجتمع القمع السياسي والفكري، مع التخلف الاقتصادي والمجتمعي، مع العنف الهائل والحروب، مع نزعات الإقصاء العرقية والطائفية، لتعميق إحساس الناس بالغربة في أوطانهم نفسها. وحين يصبح المرء غريباً ومهدداً وجائعاً في وطنه، فإن الفرق يتلاشى بين هنا وهناك. فالوطن، في نهاية المطاف، هو المكان المضياف السخيّ الذي يمنح المرء حساً معقولاً براحة الوجود في المنزل.
العلاقة بين الارتياح والغربة هي التي تُثار غالباً لدى أي حديث عن العنف والإرهاب. إذا ازداد العنف الاجتماعي، والسرقة والقتل، والصراعات الطائفية والعرقية، والأفكار المتطرفة، فإن علاقة هذه الظواهر بمشاعر الاغتراب والحرمان لا تخفى. وإذا ضاقت الآفاق، اتسعت العصبية وتراجع الاتزان. وكلما قلت حصة الفرد أو الفئة من عوامل الأمان، نظروا إلى حصة غيرهم ودافعوهم بالأكتاف. وبذلك تتكون الفئويات لتحسين الفرصة الذاتية على حساب كل آخر.
تتكثف العلاقة بين الاغتراب والإرهاب في قصة سيف الله سايبوف، المهاجر الأوزبكي المسلم في أميركا، الذي اجتاح بشاحنته مشاة في نيويورك وقتل ثمانية نهاية الشهر الماضي. وكما تقول الروايات، فإنه هاجر إلى أميركا كأي شاب عادي حالم، يغادر بلده بحثاً عن وطن أكثر سخاء. لكن الظروف هناك عاندته، ولم يتمكن من التأقلم. ومع أنه أنشأ أسرة وحاول تأسيس أعمال وتنقل كثيراً في الولايات، فإنه ظل سائقاً يقضي معظم وقته على الطريق. وبمرور الأيام، تحوَّل الشاب المنحدر من عائلة مسلمة عادية بلا أي أيديولوجيا، نحو التوتر والعدوانية، وارتدى مظاهر التديُّن بلا فهم عميق للدين، فأطلق لحيته وقصّر سراويله، لينتهي به المطاف أخيراً إلى تحميل أشرطة "داعش" ثم تخطيط وتنفيذ عملية قتل جماعي.
الملفت في تقرير نشرته عنه صحيفة "نيويورك تايمز" شيئان: أولاً عنوان التقرير: "بعد حياة بلا جذور في الولايات المتحدة، تحوَّل سيف الله سايبوف إلى التطرف". ويكثِّف العنوان حالة الاغتراب وانقطاع الرابط بالمحيط وفقدان الجذور، كأسباب للتيه وتشوش العقل والسلوك.
الشيء الثاني الملفت هو تركيز التقرير، في عدة فقرات، على "مخالفات السير" الكثيرة التي تلقاها سايبوف في عدة ولايات خلال عمله كسائق على الطرق الأميركية، والتي قاده تخلفه عن دفع إحداها إلى السجن. وكأنما أراد معدِّو التقرير الإشارة إلى هذه المخالفات كتجسيد للمعاناة التي صادفها سايبوف في حياته. ويقول التقرير إنه في النهاية "تعمقت مشاكله. فواجه صعوبة كبيرة في العثور على عمل. ونفد من المال. وانفجر بالغضب".
ليست "مخالفات السير" –حرفياً- سبب تطرف سايبوف، لكنها مجاز عن أنواع الضغوط التي تُخرج المرء عن أطواره. كذلك كان حال "مخالفات" البوعزيزي، بائع الخضار التونسي الفقير الذي شعر بالانكشاف والإذلال والغربة عندما صفعه المفتشون. وردات الفعل تتفاوت: فالبعض يحرق نفسه، والبعض ينكفئ، والبعض يتحول إلى العنف والعدوانية والتطرف والإرهاب، والبعض يكافحون للاحتفاظ بخيريتهم. لكن شروط تعميق الاغتراب وفيرة في هذه المنطقة، و"الهجرات" بكل أشكالها خيار مغوٍ غير مضمون النتائج!

التعليق