التنافس على الإقليم: إيران وتركيا

تم نشره في الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:05 صباحاً


إيران وتركيا دولتان تربطهما بالدول العربية علاقات تاريخية وثقافية، إضافة إلى المصالح السياسية والاقتصادية. كلتاهما تحاول الدخول إلى الإقليم العربي من خلال المدخل الثقافي والتاريخي لتحقيق مصالحها المرتبطة بدولها. بالرغم من الاختلافات بين الدولتين، إلا أنهما كدولتين إقليميتين مهمتين تتشابهان في  طريقة تعاملهما مع الدول العربية أو مع العرب بشكل عام.
أولاً: الخطاب الرسمي للدولتين يركز على المدخل الثقافي والتاريخي في العلاقة. فتركيا تركز على إرث الإمبراطورية العثمانية، والبعد الديني في هذه العلاقة، وتقول إنها تنظر للعرب كإخوة، وإن ما تبتغيه هو تعزيز العلاقات الأخوية بين تركيا والبلاد العربية. أما إيران فتعطي خطاباً متشابهاً وإن اختلفت الأساليب، حيث تركز، بشكل كبير، على الإرث الثقافي والديني وتقول إن العرب إخوة للإيرانيين، وإنها لا تضمر شراً لهم.
ثانياً : أيضاً عودة للخطاب، فكلتا الدولتين تعتقدان أنهما أدرى بالمصلحة العربية من العرب أنفسهم، ومن ثم فإنهما تحاولان فرض أجندات معينة على الدول العربية والمنطقة، على الأقل هذا ما ينطوي عليه خطاب المتحدثين الذين استمعنا إليهم هذا الأسبوع في عمان.
ثالثاً: الخطاب الرسمي لتركيا وإيران تسوده نظرة قومية فوقية أو استعلائية في التعامل مع الدول العربية من خلال التدخل بالشؤون الداخلية لتلك الدول. فعلى سبيل المثال، بعض المفكرين السياسيين الأتراك يفسرون تدخلهم بالشؤون الداخلية لبعض الدول العربية من باب دعم الديمقراطية والمحافظة عليها سواء كان ذلك في سورية أو مصر، ولا تجد تركيا غضاضة في استخدام أساليب غير ديمقراطية أو في دعم قوى غير ديمقراطية. كذلك الحال بالنسبة لإيران، فهي لا تجد حرجاً في دعم أطراف أو تمكين قوى معينة من مكونات بعض الدول العربية لغايات "الدفاع" عن مصالح وحقوق تلك الدول من إسرائيل وأميركا، أي أنها أحرص من الدول العربية نفسها على مصالحها. إن هذا النهج يتجاوز ظروف ومصالح هذه الدول، ويحاول فرض أجنداته على كيفية تعامل هذه الدول مع قضاياها.
رابعاً : كلتا الدولتين ساهمتا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في خلق الانقسامات وتعظيمها داخل تلك الدول بدعم أطراف معينة أصبحت مرتبطة بالأجندات السياسية والمصالح الاستراتيجية.
خامساً : كلتا الدولتين  تمعنان في إنكار وجود رواية أخرى عن دورهما ووجودهما في المنطقة. وعليه، فإن الحوارات أحياناً تأخذ منحى اتهاميا أكثر منه تقييماً موضوعياً يأخذ كل وجهات النظر بعين الاعتبار.
بالطبع، هناك فروقات جوهرية بالعلاقة العربية الإيرانية، والعربية التركية وليس المقصود المساواة بينهما في هذا المقال. فالعلاقات العربية الإيرانية بالمجمل أكثر عدائية وتصادمية في بعض المناطق والدول، وتعدت كثيراً الاختلاف والتباين بالمصالح، بينما تتمتع تركيا بعلاقات طيبة وخاصة على الصعيد الاقتصادي، ولكن توجد أيضاً حدة بالعلاقات مع بعض الدول، وبخاصة مصر وغيرها من الدول.
لا نستطيع إنكار حق تلك الدول بالعمل على تعزيز مصالحها والدفاع عنها بالسبل المشروعة، ولكن ما هو غير مقبول هو استخدام القوة بأشكالها الناعمة والخشنة، والتجاوز على سيادة الدول من اجل تحقيق هذه المصالح، لأنه إذا كان هذا هو النهج، فالمحصلة تصبح الهيمنة على الآخر وليس الدفاع عن المصالح المشروعة.
لا مصلحة لأي طرف بالدخول في صراع مفتوح مع إيران وتركيا ولا يمكن للوضع الحالي أن يستمر، فالقوانين والأعراف الدولية حددت ما هو مشروع وغير مشروع في تعامل الدول مع بعضها بعضا، ولا بد من أن تكون هناك معايير متفق عليها للحوار حول هذه العلاقات بالمستقبل. المشكلة تكمن في عدم وجود رؤية عربية واضحة ومشتركة لماهية المصالح العربية، وتحديد الأدوات لتحقيقها، ولا يمكن أن نخرج من الوضع الحالي دون التوصل لحلول سياسية ودبلوماسية للخلافات بين الدول العربية والجارتين التاريخيتين، ولكن يجب أن تكون هذه الحوارات والحلول على أساس الاعتراف المتبادل بحقوق ومصالح كل الأطراف، وإلا سوف تستمر الحرب والدمار والانقسام.

التعليق