جميل النمري

صورة النيابة المتدهورة في عيون الناس

تم نشره في الاثنين 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:08 صباحاً

من الغريب أن المؤسسة المنتخبة من الشعب هي الأقل شعبية بين مؤسسات الدولة حسب جميع استطلاعات الرأي!؟ بل أكثر من ذلك هناك نفور وعداء يتكرس ويتعمق وترى في التعليقات مشاعر السخط على النواب أكثر حدة مما تراه تجاه أي جهة أخرى، ولا تجد تعليقات الإعجاب والتضامن إلا لحالات فردية تخص موقفا لهذا النائب أو ذاك.
كانت وجهة نظري دائما أن تقويض صورة النيابة في عيون الناس لا يخدم الديمقراطية ولا يخدم التقدم ببلدنا فإذا كفر الشعب بالتمثيل الانتخابي، فماذا يبقى من الديمقراطية ومبدأ المشاركة، مشاركة الجمهور في القرار وتقرير المصير والمستقبل؟! ولو أجريت في أي وقت استطلاعا لوجدت الأغلبية تؤيد حل مجلس النواب مع أنهم لا يتوقعون مجيء مجلس أفضل، وبالنهاية فلسان الحال هو: بالناقص عن مجلس النواب. وهذه أسوأ خلاصة يخرج بها الناس؛ أي الاستغناء عن تمثيل أنفسهم، ودون أدوات مشاركة من الشعب في القرار أو الرقابة أو المساءلة، والانتكاسة الحضارية في هذا هو تمكين ثقافة اللامسؤولية عند الناس، وتمكين ثقافة الشكونة وتعليق العجز والفشل على "فوق"، مع أن كل فرد في سلوكه اليومي وأدائه هو شريك مباشر المسؤولية.
وفي التنكر للتمثيل البرلماني والانتخابات يوجد هروب كامن من تحمل المسؤولية، وأنا كنت أحد المتحمسين دوما لمشروع اللامركزية والانتخابات على مستوى المحافظات لمزيد من تحميل المسؤولية للناس في القرار الخاص بالتنمية والخدمات في أماكن عيشهم.
أقول ذلك ولا أتجاهل الأخطاء والخطايا التي تطيح بصورة العمل النيابي، وقد كنت في الماضي أفترض أن المشكلة كلها تكمن في التغول على السلطة التشريعية وحرمانها من المسؤوليات والسلطات، فيحملها الشعب وزر القرار، بينما هي في الحقيقة بلا حول ولا قوة، لكن عندما أصبحت عضوا في مجلس النواب أتيح لي أن أرى من الداخل الأزمة الأعمق في المؤسسة، وأتفهم التحفظ على تمكين المجلس المنتخب أن يكون مركز السلطة الحقيقية للقرار، فالبيئة النيابية تشتمل في جزء منها على التخلف والمصالح الخاصة والنظرة الضيقة، ومن الضروري أن تتحسن نوعية النيابة كثيرا حتى تكون مؤتمنة على سلطة القرار.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هو من يسبق: هل تقدم النيابة إلى مستويات جيدة سيساعد على زيادة سلطة المجلس، أم زيادة سلطة المجلس سيساعد على تحسين النيابة؟ هي معضلة تشبه تلك المتعلقة بالانتخابات والأحزاب.. هل يجب انتظار أحزاب قوية لتغيير قانون الانتخاب، أم يجب تغيير قانون الانتخاب لإنتاج أحزاب قوية؟ وكنت ممن يتبنون وجهة النظر الثانية، لكن الانتخابات الأخيرة أظهرت أن المشكلة أكثر تعقيدا ولا يحلها تغيير قانون الانتخاب.
أمس تم افتتاح الدورة العادية لمجلس النواب على وقع موجة انتقادات لاذعة طالت "الجاهة النيابية" التي "مانت" على نائب بسحب ترشحه لموقع النائب الأول، وقد شهدت خلال نيابتي الكثير عن بؤس العمليات الانتخابية الداخلية في المجلس، تضاف إلى الظواهر الأخرى من "الطوشات" إلى المقايضات المصلحية والتنفع وهدر الوقت والمال والتخبط، وأستطيع القول إن الأداء النيابي كان يصيبني لثلاثة أرباع الوقت بالاكتئاب. هذا عن العمل النيابي داخل المجلس، وحدث ولا حرج عن نيابة الواسطة والخدمات. ما هو الحلّ إذاً؟ هذا هو السؤال الذي يتكرر في كل قضايا الإصلاح في الأردن، ولا أدعي أن لدي الإجابة الجاهزة عليه.

التعليق