السوق المصرفي الأردني: ما السبيل الأفضل لزيادة الكفاءة؟

تم نشره في الثلاثاء 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

جواد جلال عباسي

في الأردن 25 بنكا عاملا منهم 13 بنكا تجاريا أردنيا و3 بنوك إسلامية أردنية و8 بنوك تجارية اجنبية وبنك إسلامي اجنبي واحد. وكان لهذه المصارف مع نهاية 2016 -بحسب ارقام جمعية البنوك في الأردن- 880 فرعا منتشرا في مدن الأردن، مقابل 786 فرعا في 2015 و770 فرعا في 2014.
قمت بحساب "مؤشر هرفندال" لقياس تركز السوق في القطاع المصرفي الأردني لكل من الموجودات والتسهيلات والودائع وعدد الفروع بحسب ارقام جمعية البنوك في الأردن للعام 2016، وقارنتها مع نتائج العام 2014 التي كنت قد حسبتها في مقال سابق.
ويعتمد هذا المؤشر على جمع مضاعف الحصة السوقية لكل بنك عامل حيث يكون حد المؤشر الاقصى 10 آلاف في السوق الاحتكاري الكامل (100 % ضرب 100 % = 10000)، وتعتمده وزارة العدل الاميركية مثلا لقياس مستوى التركز في الاسواق لغايات الموافقات على صفقات الاستحواذ والاندماج بين الشركات. فيعتبر السوق الذي يكون فيه "مؤشر هرفندال" اقل من 1000 سوق تنافسية فيما يعتبر اي سوق تصل فيه نسبة المؤشر إلى اكثر من 1800 سوق "متركزة".
حساب مؤشر هرفندال للموجودات في القطاع المصرفي الأردني كان 898 في 2016 مقابل 911 في 2014 بانخفاض 13 نقطة.
وبلغ مؤشر هرفندال للتسهيلات الائتمانية في القطاع المصرفي الأردني 808 في 2016 مقابل 795 مع نهاية 2014. بارتفاع 13 نقطة.
فيما كان مؤشر هرفندال للودائع في القطاع المصرفي الأردني 923 في 2016 مقابل 926 في 2014 بانخفاض 3 نقاط.
أخيرا بالنسبة لفروع البنوك بلغ مؤشر هرفندال لعدد الفروع في القطاع المصرفي الأردني 753 في 2016، مقابل 759 مع نهاية 2014 بانخفاض 6 نقاط.
كل الارقام أعلاه ايجابية جدا وتؤيد الاستنتاج ان القطاع المصرفي الأردني لا يعاني من تركز عال، وعلى الاغلب فيه قدر كبير من التنافسية. فرقم مؤشر هرفندال كان اقل من 900 في الموجودات والتسهيلات وعدد الفروع، وأقل من ألف في الودائع. ولأن السوق اقل تركزا في بندي عدد الفروع والتسهيلات الائتمانية من بندي الودائع والموجودات يمكن التوقع أن السوق يتجه نحو تركز اقل في الودائع والتسهيلات في الفترة القادمة بسبب توسع البنوك الصغيرة والمتوسطة في عدد الفروع.
يتميز السوق الأردني ايضا بوجود عدد كبير من البنوك الصغيرة نسبيا. مع الإشارة إلى ان البنوك الصغيرة وسعت من حصتها: فأصغر 10 بنوك مثلا كانت حصتها من الموجودات والتسهيلات والودائع اقل من 10 % في 2014 فيما ارتفعت إلى اكثر من 12 % في 2016. لكن السوق، موضوعيا، يقبل كثيرا من الاندماج بين البنوك الصغيرة من دون تأثير كبير على مقياس التركز بحسب مؤشر هرفندال.
افترضت مثالا تندمج فيه السبعة بنوك صاحبة اقل حصص من كل فئة، فتبين الآتي: اندماج اصغر 7 مصارف من ناحية الموجودات يرفع مؤشر هرفندال في الموجودات بـ20 نقطة فقط إلى 919، كذلك فإن اندماج اصغر 7 مصارف من ناحية التسهيلات يرفع مؤشر هرفندال بتسع نقطات فقط إلى 817، واندماج اصغر 7 مصارف من ناحية الودائع يرفع مؤشر هرفندال بـ16 نقطة فقط إلى 939. للمقارنة فإن المثال النظري باندماج اكبر 3 بنوك من ناحية الموجودات والتسهيلات والودائع يرفع مؤشر هرفندال للتركز بـ1192 و 1122 و1293 نقطة على التوالي مما يجعل السوق عالي التركيز وهو امر سلبي.
فيما يخص مؤشر ربحية البنوك الأساسي، وهو العائد على حقوق الملكية، فقد بلغ المتوسط 8.13 % في 2016 منخفضا عن 2015 والذي كان فيه العائد 9.17 %. وبلغ اعلى عائد على حقوق الملكية 16.6% في 2016، فيما كان ادنى عائد 2.18 %. وكان العائد على الملكية اقل من 9 % في 13 بنكا.
في العام 2014 كان معدل العائد على حقوق الملكية للخمسة وعشرين بنكا العاملين في الأردن 10 % مقابل 8 % في 2013.
الخلاصة ان سوقنا المصرفي في الأردن حاليا لا يعاني من تركز عال وفيه، في الوقت ذاته، مجال لاندماجات واستحواذات بين البنوك الصغيرة من دون تأثير سلبي على مقياس التركز. كذلك فإن اكثر من نصف البنوك تحقق أرباحا متواضعة مقارنة بحقوق الملكية.
تجدر الإشارة هنا إلى ان مؤشر العائد على الملكية ليس مهما للعديد من البنوك الصغيرة التي تمتاز بالسيطرة العائلية. حيث تغلب الرغبة في استمرار السيطرة العائلية على البنك على الاتجاه نحو زيادة الربحية والكفاءة عبر الاندماجات مثلا. خصوصا أن منافع ورواتب الادارة العليا قد تستحوذ على جزء كبير من مصاريف البنك الكلية وتشكل "أرباحا" إضافية للعائلة المسيطرة.
السيطرة العائلية، مع أهميتها، قد لا تكون السبب الوحيد في عدم تحقق اندماجات في السوق المصرفي الأردني. فلربما هناك عامل آخر مهم، وهو سياسة عدم ترخيص بنك أردني جديد حتى لو توفر مستثمرون يودون الحصول على ترخيص بنكي جديد. فهذا المنع يجعل رخصة البنك العامل في الأردن ذات قيمة عالية، بنظر مالكيها على الاقل، مرتبطة بندرتها وعدم توفرها لداخلين جدد.
ولربما يكون الطريق الانجع نحو تحفيز الاندماجات بين البنوك الصغيرة في الأردن عبر فتح المجال وتشجيع إنشاء بنوك تجارية وإسلامية أردنية جديدة، بدلا من منع اي ترخيص جديد. وهنا يجب التذكير بأن البنوك لا تستخدم مصادر عامة محدودة كالترددات أو المناجم أو آبار النفط. لذلك لا تجد تحديدا لأي حد اقصى لعدد البنوك في الدول الصناعية الكبرى، بل يترك العدد لقوى السوق في كل دولة، مع تركيز البنوك المركزية والمنظمين والحكومات على الأطر التشريعية والتنظيمية والضريبية الصارمة للبنوك، إضافة إلى التدخل السريع لمنع التركز ومنع ومعاقبة الممارسات الاحتكارية والمعادية للمنافسة.
هذا الأسلوب قد يكون ملائما للأردن لتحفيز السوق نحو الاندماجات بين البنوك الصغيرة والمتوسطة، والتي ستقلل من الكلف وتزيد الكفاءة، مما ينعكس إيجابيا على المساهمين والمستهلكين بذات الوقت، ويزيد من تحصيل الضرائب للخزينة. وههنا مقترحات اولية تقبل النقد والنقاش:
- إعلان رسمي واضح عن ترحيب الأردن بإنشاء بنوك تجارية وإسلامية أردنية شريطة ان تكون شركات مساهمة عامة برأس مال لا يقل عن 250 مليون دينار مثلا، وهو مبلغ مساو لرأس مال ثاني اكبر بنك في الأردن. بمعنى ان لا تعطى التراخيص إلا للبنوك الكبيرة منذ البداية.
- الإعلان وبوضوح أن الأردن لن يحدد الحد الاعلى للبنوك العاملة فيه، وأن الترخيص سيعطى لأي بنك جديد يستوفي شروط الترخيص. وهذا كفيل بتغيير نظرة البنوك الصغيرة إلى قيمة الترخيص التي تملكه من شيء ثمين للغاية يكون، وحده، سببا لعدم التفكير بالاندماج مع بنوك اخرى إلى مسألة روتينية بدون قيمة عالية.
- يمكن كذلك التفكير برسوم ترخيص للبنوك الجديدة ترفد الخزينة. ويكون الرسم بنسبة تنازلية لتشجيع ترخيص بنوك برأس مال عال. مثلا 3 % عن أول 100 مليون دينار و2 % عن ثاني 100 مليون دينار و1 % عن ثالث 100 مليون دينار، وصفر % عن المبالغ الأعلى من 300 مليون دينار. فيكون رسم ترخيص بنك جديد برأس مال 250 مليونا 5.5 مليون دينار، ورسم ترخيص بنك جديد برأس مال 300 مليون دينار 6 ملايين دينار، ورسم ترخيص بنك جديد برأسمال 400 مليون دينار أيضا 6 ملايين دينار.
الإعلان عن إمكانية دخول بنوك جديدة إلى السوق قد يكون وحده كافيا -قبل دخول اي بنك جديد- لتحفيز اندماجات جديدة بين البنوك الصغيرة التي ستقلق حتما من تأثير دخول بنوك جديدة برأسمال عال على حصتها السوقية وربحيتها. واذا ما دخلت بنوك جديدة السوق فهذا سيأتي بمنافع عديدة من ضمنها تمتين القاعدة الرأسمالية الكلية للقطاع المصرفي الأردني، وزيادة نسبة الأشخاص المستخدمين للخدمات المصرفية في الأردن. كذلك ستزيد فرص استخدام أساليب مبتكرة وجديدة للخدمات المصرفية تشمل -على سبيل المثال لا الحصر- بنوك الإنترنت التي لا تملك شبكة فروع، بل تستخدم تحالفات مع شركات غير بنكية لتقديم الخدمات المصرفية بكلفة أقل وانتشار أكثر.

التعليق