منظومة الأخلاق التي نريد في التعليم

تم نشره في الأربعاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

منال أحمد كشت

بات من المُلحّ اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التفكير في المنهجيات والآليات العملية التي من شأنها الحد من التدهور الأخلاقي الذي يشهده مجتمعنا في ظل الثورة التكنولوجية غير المنضبطة والتي دفعت بنا الى تبني منظومة فاسدة من القيم المادية غير الإنسانية مما أفرز انحطاطا أخلاقيا واجتماعيا غير مسبوقين. وهذا ما استدعى طرح مسألة أهمية القيم من جديد. فما هي القيم التي نريد؟ وكيف يمكن دمجها في المناهج المدرسية بهدف تعزيز بناء الذات لدى الطلبة وتطوير الشخصية الإخلاقية في بعديها الفردي والمجتمعي وكيف السبيل إلى خلق تطبيق سلوكي قيمي أخلاقي في مخرجات التربية والتعليم؟
استشعر العالم المعاصر بجميع أطيافه مدى خطورة فصل العلم عن القيم الأخلاقية مما أدى الى المطالبة برتق ما فتق من علاقة ما بين القيم الأخلاقية والمناهج التعليمية وضرورة إعادة الصلة بينهما لأهمية ذلك في بناء شخصية المواطن الصالح. لذلك كان من المهم الدعوة إلى صياغة مشروع وطني متكامل يهدف إلى ضبط الإطار المفاهيمي للأخلاق والقيم وبيان طرق إدماجها في المنظومة التعليمية باعتبارها المجال الأوسع والأكثر تأثيرا في المجتمعات. 
وفي الوقت الذي تحدث فيه " فيلبس كوبر" في كتابه "الأزمة التربوية العالمية" عن الاضطرابات الأخلاقية التي نجمت عن الثورات التكنولوجية وكونها السبب الرئيسي في جعل التربية الأخلاقية موضوع اهتمام ودراسة من قبل التربويين فإننا نجد أنفسنا أمام أزمة تربوية كبيرة تتمثل في قصور المناهج الحالية وعجزها عن بناء منظومة تربوية مجتمعية أخلاقية. فالتعليم اليوم عاجز عن تخريج الأجيال المؤهلة التي تمتلك المعرفة والوعي وقاصرة عن خلق منظومة أخلاقية من المفترض أن تحصّن المجتمع من الانقسام واستبدال القيم الاخلاقية بغرائز بشرية محضة.
وهنا يطرح سؤال الأخلاق في المنظومة التعليمية؛ فما هي منظومة الأخلاق والقيم  التي نسعى إلى إيجادها  ضمن هذه المنظومة؟ ربما من المهم البدء بوضع رؤية إصلاحية شاملة متوازنة لنصل بنهاية المطاف إلى آليات تنفيذ فاعلة تشمل تحديد مواصفات مخرجات المتعلم الذي نريد والكفايات المعرفية والتكنولوجية والتواصلية والمهنية التي يتوقع أن يمتلكها ضمن المنظومة وتنظيم مختلف مقومات المفاهيم الدراسية المكونة للمنهاج ومحتوى هذه الوحدات ومدى تناغمها وتوافقها أفقيا وعموديا وطرق ووسائل التدريس المستخدمة بالإضافة إلى مواصفات المعلم وقدراته وظروف البيئة التعليمية.
أثبتت التجارب الإنسانية كافة أن إصلاح التعليم وتعزيز القيم الأخلاقية بما فيها قيم الحرية والعدالة المجتمعية وحق الإنسان في الإبداع والنقد البناء والحياة الكريمة هو أساس تدشين مشروع النهضة الذي نسعى جميعا إلى تحقيقه. فمن أبرز الإصلاحات في التعليم على مستوى العالم مؤخرا كان الإصلاح الجذري الذي قامت به فنلندا بإلغاء المواد واستبدالها بالموضوعات المتكاملة بهدف تحضير الطالب لسوق العمل والتجربة اليابانية الناجحة والتي ستبدأ بإلزام دراسة الأخلاق بدءاً من 2018 لمواجهة تراجع الأخلاق في المدرسة ما انعكس سلبا على المجتمع الياباني.
إننا اليوم بأمس الحاجة إلى إعادة النظر في مناهجنا من خلال إحداث ثورة تربوية أخلاقية في ظل غياب التوازن الأخلاقي والقيمي في المناهج التي تعتبر البوصلة الأساسية ضمن عناصر المنظومة التربوية. لذلك لا بد من أن يستند إصلاح التعليم على ركيزتين أساسيتين، الأولى في إصلاح مناهج التفكير والنقد البناء واحترام الرأي الاخر لدى الطلبة والثاني في إصلاح منظومة القيم والأخلاق التربوية.
إن تضمين القيم والأخلاق في المناهج المدرسية لا يقتصر على الشعارات والنصائح واللوحات والإذاعات المدرسية والمسابقات الموسمية أو نظام الفزعات بل يستدعي تفعيلا للسلوكيات المجتمعية الصحيحة بناء على دراسات عميقة للظواهر المجتمعية. نحتاج إلى خطوات عملية تطبيقية تجعل من المنظومة الأخلاقية سلوكا يمارس على أرض الواقع، ما سينعكس إيجابيا على المجتمع ويؤدي إلى نبذ العنف الجامعي والمجتمعي والتطرف والإرهاب في مجتمع بني على الأخلاق والقيم منذ نعومة اظفاره.

التعليق