منتدى الاستراتيجيات: الموازنة العامة لم تحقق وفرا قبل المساعدات منذ 51 عاما

تم نشره في الأربعاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

عمان-الغد- كشف منتدى الاستراتيجيات الأردني في دراسة أصدرها أخيرا أن الموازنة العامة للدولة الأردنية لم تحقق أي فائض يذكر(قبل المساعدات) منذ 51 عاما.
وبين المركز أنه لم يحصل منذ العام 1965 حتى العام 2016 أن سجل فائض في الموازنة العامة (قبل المساعدات) فيما كان العجز في الموازنة نسبة الى الناتج الاجمالي المحلي أعلى من 20 % في 13 عاما منها، وكان ما بين 10 %-20 % في 20 سنه منها و6 %-9.9 % في 14 سنه منها وما بين 4 %-5.9 % في 5 أعوام خلال تلك الفترة.
واوضحت دراسة المنتدى بأن ما يرأب العجز في الموازنة العامة دون الحاجة لمساعدات خارجية هو إما تخفيض النفقات والذي بدوره يزيد من تراجع النمو الاقتصادي واما زيادة الإيرادات وهي اما ضريبية أو غير ضريبية. ولكن، حين لا يتسنى للحكومة الأردنية ذلك، فهي تلجأ لرأب العجز السنوي في موازنتها من خلال المنح، والديون الميسرة إما من جهات دولية مثل البنك الدولي، أو الديون العادية بأسعار فائدة مرتفعة، وتلجأ إما لبنوك اردنية أو دولية من خلال الاقتراض المباشر، أو من خلال اصدار سندات بأسعار فائدة مرتفعة نسبيا.
وبناء على النتائج التي توصلت إليها دراسة منتدى الاستراتيجيات الأردني مباشرة، يوصى منتدى الاستراتيجيات الأردني بأنه على الأردن أن يعمل على "زيادة" المرونة الضريبية والذي تشير الأدبيات أن ذلك ممكن من خلال زيادة القاعدة الضريبية وزيادة كفاءة التحصيل الضريبي وكذلك من خلال تنويع مصادر الضريبة وزيادة الاستقرار على المستوى الكلي (التضخم والتقلب في الناتج الاجمالي المحلي).
وبسبب خصوصية وضع الأردن، وحتى يتسنى لنا بالبدء بالأهم والأكثر تأثيرا، يوصي المنتدى بزيادة كفاءة التحصيل الضريبي حيث أن لذلك تأثيرا على جميع العوامل التي تؤثر على مرونة الضريبة، فهو يؤدي إلى زيادة القاعدة الضريبية وإلى زيادة مقدار التحصيل من ضريبة الدخل والذي سيؤدي بدوره إلى زيادة نسبتها إلى الضرائب الأخرى.
وتشير الدراسة ؛ لأن شريحة (المهنيين والشركات الصغيرة والمتوسطة) تساهم بنسبة 1.98 % فقط في إجمالي الإيرادات الضريبية، يوصي المنتدى بأن تعتمد الحكومة نظاما جديدا عادلا وفعالا، لتحصيل الضرائب من هذه الشريحة يضمن عدم التهرب والالتزام بالضرائب المفروضة عليهم.
كما يوصي المنتدى بأنه على الأردن أن يسعى إلى تحقيق مستويات أكبر من الاستقرار في أداء الاقتصاد الكلي. فبالإشارة الى ورقة منتدى الاستراتيجيات الأردني (عن تحديات الاقتصاد الأردني: الحاجة إلى نظرة جديدة: لماذا وكيف؟ 2017)، والتي بينت أن أداء الاقتصاد الأردني في الآونة الأخيرة عانى من عدم الاستقرار على المستوى الكلي، مما أدى الى التأثير ايضا وبشكل سلبي على مرونة الضريبة.
ويوصي المنتدى أيضا بأنه وإذا كانت المساعدات الخارجية تقوض (تخفض) الجهد الضريبي، ينبغي إدارة هذا التدفق النقدي (المساعدات) بحذر شديد وتوجيهها إلى تعزيز النمو الاقتصادي والنفقات الرأسمالية وتخفيض الاعتمادية عليها في دعم النفقات الجارية للدولة.
وكذلك يشدد المنتدى في توصياته على أنه من الضروري أن تركز جهود الحكومة وقدراتها على تعزيز الجهد الضريبي لما لزيادته من أهمية في تعزيز النمو الاقتصادي وتبعات ذلك على تخفيض العجز في الموازنة العامة. وينبغي أن يستمر جهد الحكومة بنفس الكفاءة بوجود أو غياب المساعدات الخارجية أو الديون الميسرة.
كما ويركز المنتدى على أن تنفيذ وإدارة الاستثمارات العامة بكفاءة يعتبر أمرا ذا أهمية كبرى خاصة إذا ما كان هناك اعتماد على تدفق المساعدات والديون الميسرة في اقتصاد الدولة.
وبحسب المنتدى فإن المالية العامة هي إيرادات ونفقات الحكومة؛ وتأثير كل منهما على رفاه وازدهار المجتمع. وتُعنى المالية العامة بالإيرادات الضريبية، والبرامج التي تنفذها الحكومة، والاجراءات اللازمة للموازنة العامة، والسياسات والإجراءات لتوازن الاقتصاد، كما تُعنى بإدارة الدين العام.
 وحول ذلك أشارت الدراسة إلى أن الإيرادات الضريبية في الأردن منخفضة بشكل عام، فالجهد الضريبي في الأردن، والذي يمثل نسبة الضرائب الى الناتج الاجمالي المحلي، هو حوالي 15 % وهو أقل من مثيله في العديد من الاقتصادات الناشئة أو الاقتصادات المتقدمة بما في ذلك تركيا (22 %)، اليونان (26 %)، الدنمارك (47 %) ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (26 %).
وبينت أن العمل على زيادة الإيرادات الضريبية سوف يعزز النمو الاقتصادي لاسيما إذا ما تم إنفاق هذه الأموال على الخدمات العامة (تعليم وصحة ومواصلات) وعلى البنية التحتية بكفاءة عالية.
أما بالنسبة للمنح والديون الميسرة، حصل الأردن على مبالغ كبيرة وفي الحقيقة، تشير قاعدة معلومات البنك الدولي الى أنه وفي الفترة ما بين 2015-1965، حصل الأردن على أكبر حصة للفرد من المساعدات الخارجية في العالم حيث وصلت حصة الفرد من المنح والديون الميسرة 9185 دولار.
وهناك ترابطية وتداخلات مثيرة للاهتمام ما بين ثلاثية الإيرادات الضريبية والمساعدات الخارجية والنمو الاقتصادي.
وعلى الأردن، وإذا ما أراد الخروج من مأزق العجز الدائم في موازنته والدين المتراكم عليه، أن يولي هذا الترابط والتداخل اهتماما كبيرا، حيث يكمن الحل للخروج من هذا المأزق في فهم هذه الترابطية وذاك التداخل.
وتركز ورقة منتدى الاستراتيجيات الأردني على الترابطية والتداخل ما بين ثلاثية الإيرادات الضريبية، والمساعدات الخارجية والنمو الاقتصادي، فمن المهم فهم تأثير كل منها على الآخر، حيث بين المنتدى أنه يجب ألا ننسى أن الهدف الأساسي هو النمو الاقتصادي في الأردن وليس الحصول على المنح أو الديون أو حتى الإيرادات الضريبية بحد ذاتها، وإنما يسعى الأردن للحصول على كل منها لتحقيق الهدف الأسمى وهو النمو الاقتصادي. ولذا فإن السعي نحو توفير ايرادات ضريبية أعلى ومنح وديون ميسرة ما هو الا لندفع بعجلة النمو التي بدورها سترفد الأردن بالدخل الذي ينشده سواءً من دخل ضريبي أو غير ضريبي والذي بدورة سيؤدي الى رفاه وازدهار المواطن الأردني.
وبالنسبة إلى التداخل ما بين النمو الاقتصادي والإيرادات الضريبية، أوضحت الدراسة بأن هناك مقياسا مهما يساعد في قياس هذا التداخل وهو مرونة الضريبة (Tax Elasticity) أي تأثير التغير في النمو الاقتصادي على الإيرادات الضريبية، وكلما ازدادت المرونة كلما ازدادت الايرادات الضريبية بازدياد النمو الاقتصادي في الدولة. وتركز ورقة المنتدى على دراسة مرونة الضريبة في الأردن من خلال دراسة تأثر الإيرادات الضريبية خلال السنوات من 1983 الى 2016 بالنمو الاقتصادي، حيث كانت النتائج مثيرة للاهتمام.
وبين تحليل المنتدى بأن مرونة الضريبة في الأردن هي (+1.09) مما يعني بأنه وعندما يرتفع الناتج الاجمالي المحلي بمقدار 1 %، ترتفع الايرادات الضريبية بمقدار 1.09 % وترتفع نسبة الايرادات الضريبية الى الناتج الاجمالي المحلي بنسبة 0.09 %.
وبما أن مرونة الضريبة قريبة من الواحد، فإنه ليس من السهل على الاقتصاد الأردني أن يرفع من نسبة الايرادات الضريبية الى الناتج الاجمالي المحلي (العبء الضريبي) من خلال زيادة النمو الاقتصادي، فعلى الاقتصاد أن يحقق نمواً يبلغ 5 % سنوياً ولمدة 10 سنوات كي يرتفع العبء الضريبي بمقدار 4.5 % ليصبح 20 % وبعد 10 سنوات.
وهذا سيناريو غير عملي لسببين رئيسيين ؛ الأول ؛ ليس من السهل على الأردن أن يرفع من النمو الاقتصادي الى 5 % والثاني؛ حتى لو تمكن الأردن من رفع نسبة النمو الاقتصادي الحقيقي الى 5 % سنوياً، فان الفترة اللازمة لرفع العبء الضريبي ليصل الى 20 % تعتبر فترة طويلة (10 سنوات)، ولهذا تبعات سلبية على المالية العامة للدولة حيث أنه من المتوقع أن تزداد مهام، ومسؤوليات ونفقات الدولة خلال فترة من النمو الاقتصادي القوي.
وبالمقابل، إذا لم تزدد ايرادات الدولة كنسبة من الناتج الاجمالي المحلي، فلا خيار لها الا الاقتراض من الداخل أو الخارج، وبالتالي زيادة العجز في الموازنة وزيادة الدين.   
أما بالنسبة الى التداخل بين الإيرادات الضريبية والنمو الاقتصادي، فبينت الدراسة بأنه لا شك أن الضرائب تؤثر على النمو الاقتصادي.
وبينما يجادل البعض بأن الضرائب تؤثر سلبا على النمو الاقتصادي لأنها تثبط الاستثمارات، يرى البعض الآخر أن الضرائب مهمة وضرورية لتحفيز البيئة الاقتصادية والمؤسسية في الدولة،" إن إيرادات الضرائب تمول البنية التحتية، والتعليم، والمدارس والنظم القانونية وغيرها من الخدمات العامة، كما يعتمد رواد الأعمال والمبتكرون بشكل كبير على هذه الخدمات، كما ويمكن لزيادة الضرائب أن تعزز النمو إن كانت موجهه لدعم توفير السلع العامة بشكل رئيسي،  لأن ذلك يرفع العوائد المتوقعة لجهود تنظيم المشاريع" (Aghion et al., 2016).
وفي ورقة السياسات التي صدرت، درس منتدى الاستراتيجيات الأردني أثر الايرادات الضريبية على النمو الاقتصادي وجاءت النتائج مشجعة اذ تشير نتائج الدراسة الى أنه كلما ازدادت نسبة الإيرادات الضريبية في الأردن (خلال السنوات الماضية) كلما تحسن الأداء الاقتصادي.
كذلك تشير النتائج الى أن الإيرادات الضريبية تعكس أهمية متزايدة في تفسير التغير (التباين) في معدل النمو الاقتصادي الحقيقي مع مرور الوقت.
أما بالنسبة إلى التداخل بين المساعدات الخارجية والإيرادات الضريبية، أشارت الدراسة الى ان فعالية المساعدات الخارجية كانت دائما مسألة مثيرة للجدل فبينما يجادل البعض بأن المساعدات الخارجية تعزز من البيروقراطية والاعتمادية الحكومية لأن بعضا منها يتم هدره، ويرى البعض الآخر أنها مهمة للتقليل من الفقر ولتعزيز النمو الاقتصادي الحقيقي.
هذا وتم اختبار أثر المساعدات الخارجية على دعم (تعبئة) المالية العامة في البلدان المتلقية للمساعدات، فتبين أن تدفق المساعدات الكبيرة لا تقوض جهود الحكومات في جمع الضريبية فحسب، بل تعمل على مزاحمة النفقات الرأسمالية وتخفيضها.
التمويل الخارجي المستدام (المساعدات الخارجية) يسبب ازدياد في النفقات الجارية ويخلق حالة ما يسمى ب "وهم المعونة" (صندوق النقد الدولي يوليو 2016). وبعبارة أخرى، عندما يزداد الإنفاق الرأسمالي (الممول من المساعدات)، يزداد الإنفاق الجاري نتيجة لذلك من أجل الصرف على ما تم انشاءه، وإذا كان واقع المالية العامة ضعيف، فإن الإنفاق الرأسمالي في المستقبل سينخفض لصالح الانفاق الجاري. كما أن ما يسمى بالمرض الهولندي (Dutch Disease) يضعف جهود تعزيز الإيرادات للدول التي تتلقى المعونة.
وفي الورقة، درس المنتدى أثر المنح والقروض الميسرة على الايرادات الضريبية في الاردن، وكانت النتائج إن أثر المنح والقروض الميسرة على الإيرادات الضريبية في الأردن سلبي، فكلما ازدادت هذه التدفقات النقدية، كلما انخفضت نسبة الايرادات الضريبية الى الناتج الاجمالي المحلي.
كما أن أثر المنح في تقويض الجهود الضريبية للحكومة هو أكبر من أثر الديون الميسرة في ذلك وكذلك أشارت الدراسة الى أن المنح تعكس أهمية متزايدة في تفسير التغير (التباين) في نسبة الايرادات الضريبية الى الناتج الاجمالي المحلي أعلى من القروض الميسرة مع مرور الوقت.

التعليق