بيوت عزاء ‘‘إلكترونية‘‘ تختزل كل طقوس الحزن على ‘‘فيسبوك‘‘

تم نشره في الخميس 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • كثير من الأشخاص يجدون في مواقع التواصل الاجتماعي مكانا للبوح بمشاعر الحزن- (mct)

مجد جابر

عمان- حالة من الاستغراب انتابت سلمى علي أثناء تفقدها حسابها على الفيسبوك لتتفاجأ بإحدى صديقاتها على الصفحة قد قامت بتحميل صورة سوداء اللون معلقة عليها "الحقوني يا ناس أبوي مات، مات وتركني، بابا، بابا" وكأنها أمام مشهد مسرحي غريب.
سلمى استهجنت أيضا ما عقب ذلك من تصرفات غريبة جداً، إذ كانت وبمعدل كل خمس دقائق تقوم بتحميل صورة جديدة لوالدها على موقع الفيسبوك، وتكتب عليها الأشعار والذكريات، معتبرة الأمر استخفافا في حرمة المتوفى، مبينةً أن الشخص الذي تحل عليه "مصيبة الموت" لا يملك أي وقت لهذا الكم من الاستعراض على الفيسبوك وأن هذه الشخصيات لا تعيش مشاعر حزن حقيقية، مشيرة إلى أنه يمكن أن يشير الشخص على صفحته على الفيسبوك بحدوث وفاة ويذكر الشخص وتحديد فترة العزاء كوسيلة ابلاغ، لكن ما يحدث حالياً بعيد كثيراً عن ذلك فهو استعراض ومحاولة للفت الانتباه.
هذه التصرفات باتت منتشرة بين كثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، فأحمد إسماعيل هو الآخر عرف عن وفاة والد صديقه من خلال صورة قام بنشرها الصديق لوالده المتوفى قبل دفنه وهو بالكفن وكتب عليها "نستعد الآن للتوجه لدفن والدي أدعو له بالرحمة والمغفرة".
وهو الأمر الذي أثار حفيظة أحمد بطريقة لا توصف، مستغرباً من تصرف صديقه كونه في وضع لا يسمح بالتقاط الصور وتحميلها على الفيسبوك، معتبرا ذلك تصرفا غير مقبول على الإطلاق وفيه استهانة كبيرة بالشخص المتوفى ولا يجوز أن يصدر من الأبناء.
وما زاد من استياء أحمد أكثر هو أنه كان يرد على كافة التعليقات التي جاءت على الصورة أولا بأول، ولم يترك أي تعليق لم يرد عليه.
مثل هذه التصرفات على الواقع الافتراضي يرى كثيرون أنها مستهجنة وفيها نوع من الاستخفاف وعدم مراعاة حرمة المتوفى والاستهانة بالأمر، في حين يعتبر آخرون أن التعبير عن الحزن بهذه الطريقة على مواقع التواصل الاجتماعي فيه نوع من التخفيف عما يعانيه من فقد عزيز وغال، وهي طريقة لإشراك الآخرين بأحزانهم والتفريغ من مشاعرهم في مثل هذه الأوقات العصيبة.
وهند هي واحدة من بين هؤلاء الأشخاص، إذ سمعت الكثير من الانتقادات بعد وفاة شقيقتها، كونها لم تنقطع عن الفيسبوك حتى في يوم الوفاة واستمرت بتحميل الصور التي تجمعها معها، والكتابة لها والتعبير عن كل مشاعرها على الفيسبوك.
وتؤكد أن هذا السلوك وإشراك الآخرين بما حل بها لحظة مرض شقيقتها ووفاتها خفف من حزنها، معتبرة هذه الطريقة جيدة جداً للتغلب على مصيبة الموت وأن لكل شخص الحق في الطريقة التي يختارها للتعبير عن حزنه.
وفي ذلك يرى الاختصاصي التربوي والنفسي الدكتور موسى مطارنة أنه مع التغيير الاجتماعي أصبحت المفاهيم مختلفة، ولم تعد الرسالة نفس الرسالة التي كانت في السابق حتى الإحساس في المصاب اختلف عن السابق، منوها إلى أن الفرد أصبح ماديا أكثر من إنساني وبات التأثير الإنساني ضعيفا جداً، وباتت الوفاة مناسبة كأي مناسبة تمر.
إلا أنه يؤكد أنه إذا كان الميت عزيزا لا يمكن أن يكون لدى المحزون مسافة أن يمسك هاتفه فهو شخص مشلول نفسياً، مبيناً أنه يمكن الاعلان على الفيسبوك عن الوفاة من أشخاص مقربين له وليس من الابن نفسه أو الأخ، كونه في الأصل أن  الشخص بحالة من الحزن وليس لديه أي وقت لأي شيء.
ويبين أن الحزن إذا كان حقيقيا وموجودا يلهي الإنسان عن أشياء كثيرة، وقضية البوح على الفيسبوك هي "مظهرية ليست أكثر، وفيها نفاق اجتماعي كبير"، وهذا له تأثير سلبي وليس ايجابيا كونه ليس المكان المناسب لمشاركة المصاب.
ويرى الاختصاصي الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي أن ذلك من الاستخدامات السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة إذا كانت المناسبة الاجتماعية حزينة، مبيناً أن المبالغة وكثرة تحميل الصور وكتابة العبارات والكلام أمر سلبي، مؤكد أنه لا بد من الاكتفاء فقط بالتبليغ وكتابة رسالة تتعلق بالمناسبة فقط. ويردف أن ما نراه هو أن مواقع التواصل تتحول إلى قصص وصور من قبل الأبناء والجيران والأصدقاء والكل يتسابق في نشر هذه الصور، مشيرا إلى أنه أحياناً كثيرة لا تليق الصور بالمناسبة ولا تليق بالميت، فالميت له حرمته واحترامه.

التعليق