المتعاونون الجمهوريون مع ترامب

تم نشره في الخميس 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

نينا ل. خروشيفا*

نيويورك - بعد تسعة أشهر من رئاسة دونالد ترامب، يبدو أن قادة الحزب الجمهوري يدركون أخيرا الواقع القاسي لبلادهم المعرضة للخطر. لكنهم يملكون الخيار الآن: يمكنهم إما الاستمرار في التعاون مع ترامب، وبالتالي الحفاظ على قيادته وكراهيته المدمرة، أو التخلي عنه، وإعطاء الأولوية للديمقراطية في بلدهم على الولاء لحزبهم أو قبيلتهم.
تشير التصريحات الأخيرة التي أدلى بها عضو مجلس الشيوخ الجمهوري من ولاية تينيسي بوب كوركر، إلى أن هناك توجهاً للعمل ضد ترامب. وقال كوركر إن "البيت الأبيض أصبح مركزاً للرعاية النهارية للبالغين"، قبل أن يحذر من أن تهديدات ترامب على "تويتر" قد تضع الولايات المتحدة "على طريق الحرب العالمية الثالثة". كما حذر السيناتور جون ماكين من التهديد الذي تمثله "القومية الزائفة وغير الناضجة".
لكن الشرف السياسي الحقيقي يتطلب أكثر من الإدانات المحتشمة (لم يشر ماكين إلى ترامب بالاسم في خطابه)، أو الانسحاب ببساطة، كما فعل كوركر وعضو الحزب الجمهوري بات تيبيري من ولاية أوهايو. بدلاً من ذلك، فإن الشرف يستدعي تغيير المسار السياسي، كما فعل ونستون تشرشل (الذي يعتبرانه بطلاً بلا شك)، عندما انتقل من الحزب الليبرالي إلى حزب المحافظين.
كما أثبت تشرشل، ليس هناك خطأ في تغيير الولاءات السياسية. ومع ذلك، من العار إظهار الولاء لحزب أو قضية مشينة أو مؤسفة. ويجب على الجمهوريين الذين يظنون اليوم أن بإمكانهم تأخير الانفصال عن ترامب، مخافة الإضرار بسمعتهم، أن يتذكروا مصير الآخرين -في الاتحاد السوفياتي في العام 1917، وألمانيا في العام 1932، وفي روسيا وتركيا اليوم- الذين اعتقدوا أن بإمكانهم ترويض الوحش.كذلك الأمر بالنسبة لنيكولاي بوخارين، رئيس تحرير صحيفة "برافدا"، الذي كان مُفضلاً عند فلاديمير لينين. ولأكثر من عقد من الزمن بعد الثورة البلشفية، حاول بوخارين التوفيق بين فهمه الأكاديمي لـ"ديكتاتورية البروليتاريا" وتنفيذها في العالم الحقيقي. ولم يكن ذلك صعباً جداً بينما كان لينين مسؤولاً: على الرغم من إراقة الدماء التي خلفها النظام الجديد، لم يكن القتل الجماعي هدفه أو مصدره الرئيسي للطاقة.
لكن التغيير حدث مع تولي جوزيف ستالين السلطة، الذي كان الإرهاب بالنسبة له وسيلة وغاية. ومع ذلك، فقد انحاز بوخارين اٍلى ستالين للتخلص من ليون تروتسكي وغيره من البلاشفة الذين سعوا إلى التقيد بشكل وثيق بأوامر لينين (وعارضوا ستالين). وخلص بوخارين إلى أن أساليب ستالين سوف تُحول التطور السريع للاتحاد السوفياتي إلى قوة صناعية، وكان مستقبل الشيوعية، بالنسبة له، أهم بكثير من فقدان بضعة آلاف من الأرواح -أو حتى بضعة ملايين منها.
ولكن، سرعان ما ندم بوخارين على هذا التفكير. وبمجرد استبعاد تروتسكي، هاجم ستالين جميع البلاشفة الكبار الآخرين، ووصفهم بـ"أعداء الشعب"، وهي عبارة أحياها أنصار ترامب الشعبويون، مثلهم مثل المتشددين لصالح البريكست في بريطانيا، للتنديد بأي شخص يجرؤ على تحدي نظام "سلالتهم وأرضهم". وقد أُعدم بوخارين في العام 1938.
كما راهن فرانز فون بابن أيضاً على ترويض زعيم ديكتاتوري. ولتحقيق أهدافه السياسية الخاصة، أقنع بابن الرئيس الألماني بول فون هيندينبيرغ بتعيين أدولف هتلر في منصب المستشار في العام 1933. وهو سياسي محنك ذو طابع استبدادي، واعتقد بابن أنه بمجرد أن يتولى هتلر السلطة، يمكنه السيطرة على الزعيم النازي الذي اعتبره بابن ريفياً متباهياً.
وبدلاً من ذلك، في ليلة السكاكين الطويلة، قام النازيون بمطاردة وإعدام زملاء بابن الموثوقين، هربرت فون بوس وإريش كلاوسينر، وسيطروا على الحكومة. وكان مصير بابن أفضل من بوخارين، على الرغم من أن هتلر أرسله للعمل كسفير في النمسا ثم تركيا. وبعد الحرب العالمية الثانية، تمت تبرئة بابن في محاكمات نورمبرغ.
كما دفع بوريس بيريزوفسكي، الغامض، الرئيس  السابق  بوريتس يلتسين إلى التقرب من مستبد مستقبلي. وكان بيريزوفسكي هو الذي لفت انتباه يلتسين إلى فلاديمير بوتين، وتوقع أن يكون الضابط السابق في الاستخبارات "كي جي بي" المرشح المثالي لحماية ثروات عائلة يلتسين -وثروة بيريزوفسكي الخاصة- عندما يتقاعد يلتسين. ولكن، بعد تولى بوتين السلطة، خسر بيريزوفسكي إمبراطوريته التجارية واضطر إلى الهجرة إلى إنجلترا حيث توفي في نهاية المطاف في ظروف مشبوهة.
وأخيراً، في تركيا، عمل الرئيس رجب طيب أردوغان وسلفه عبدالله غول معاً لإنشاء حزب العدالة والتنمية الذي هيمن على السياسة التركية منذ العام 2002. ولكن، حين استولى أردوغان على السلطة، استغنى عن غول. وبالمثل، قدم رئيس الوزراء السابق وحزب العدالة والتنمية أحمد داوود أوغلو تأييده طويلاً لأردوغان، إلى أن أدى تطور الخلافات -بسبب ازدراء أردوغان لموقف رئيس الوزراء نفسه- إلى إجبار داوود أوغلو على الاستقالة في العام الماضي.
بطبيعة الحال، تظل الديمقراطية الأميركية أقوى من الديمقراطية في تركيا أو روسيا. ولكن، مع أكاذيبه المخجلة وهجماته القاسية على أولئك الذين يختلفون معه -واقتراحه الأخير أنه قد يكون من المناسب "إيقاف" رخصة البث الإخبارية الرئيسية لشبكة الأنباء الأميركية- أظهر ترامب أنه غير مهتم بالتقيد بالمعايير الديمقراطية.
يشكل إضعاف الديمقراطية ثمناً باهظاً تدفعه الولايات المتحدة -ولكن ما السبب؟ في البداية، أراد الجمهوريون استخدام ترامب لتمرير تشريع من أجل إلغاء قانون الرعاية الصحية بأسعار معقولة للعام 2010 (أوباماكير) وتمرير الإصلاح الضريبي. ولكن، بعد عشرة أشهر من السيطرة على الرئاسة وكلا مجلسي الكونغرس، لم يحقق الجمهوريون شيئاً من الناحية التشريعية. وعند هذه النقطة، يبدو أنهم يريدون ببساطة السلطة من أجل السلطة فقط -وهذا يعني هزيمة الديمقراطيين، وليس التعاون معهم.
لكن الأمور قد تتغير. ففي الآونة الأخيرة، انضم جمهوريو الكونغرس بالفعل إلى الديمقراطيين لفرض عقوبات "ترامب" ضد روسيا، وكانت هناك خطوات نحو التعاون للحفاظ على الإعانات التي يعتمد عليها برنامج "أوباماكير" (بعد قيام ترامب بإيقافها بأمر تنفيذي).
وهذه خطوات تسير في الاتجاه الصحيح. ولكن، مع سلوك ترامب الذي أصبح متقلباً وخطيراً للغاية، فإن ذلك ليس كافياً. ولا يمكن للجمهوريين الذين يريدون أن يكونوا في الجانب الصحيح من التاريخ أن يبقوا في جانب ترامب لفترة أطول.

*مؤلفة كتاب "تخيل نابوكوف: روسيا بين الفن والسياسة"، و"خروشوف الضائع: رحلة إلى غولاغ العقل الروسي"، وهي أستاذة الشؤون الدولية ومساعدة العميد للشؤون الأكاديمية في "المدرسة الجديدة"، وزميلة بارزة في معهد السياسات العالمية.
خاص بـ "الغد" بالتعاون مع بروجكت سنديكيت

التعليق