الأعمال تجري كالمعتاد في الشرق الأوسط

تم نشره في الخميس 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • منظر عام للدمار في الرقة السورية بعد طرد "داعش" منها مؤخراً – (أرشيفية)

أليسون فيدريكا – (جيوبوليتيكال فيوتشرز) 27/10/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أصبح "داعش" على الجانب الدفاعي في سورية. وقد تم انتزاع السيطرة منه على ما تدعى عاصمته في الرقة، وشرع في التراجع إلى مناطق في الجنوب الشرقي من سورية، بالقرب من الحدود مع العراق. ويعني ذلك أنه أصبح بوسع الكيانات المنغمسة في شؤون "الدولة الإسلامية" –العراق، وإيران، ولبنان، وتركيا، وروسيا، والولايات المتحدة والأكراد- أن تعود إلى العمل كالمعتاد، أليس كذلك؟
حسناً، نعم، ولا. حتى نكون واضحين، فإن "الدولة الإسلامية" لم تُدمَّر؛ إنها، كما يمكن القول، لم تعد مركز الجاذبية الذي كانته ذات مرة. وإذا لم تقم باستعادة الأراضي التي خسرتها، فإن مقاتليها سيختلطون ببساطة مع سكان جيرانها وسوف يواصلون شن التمرد. وعلى أي حال، كان العمل كالمعتاد في الشرق الأوسط فوضوياً. كانت المنطقة منذ قرون مكاناً للعداء وعدم الثقة، والخصومات العرقية والطائفية، والحدود سيئة الترسيم. وقد ترك تراجع "داعش" فجوة صغيرة يتنافس عليها أصحاب الحصص في المنطقة لتعزيز مصالحهم. وبينما يفعلون ذلك، فإنهم سيعيدون إشعال هذه الخصومات التي كانوا قد وضعوها جانباً ذات مرة لفترة وجيزة، ولو أن ذلك الاستبعاد لم يكن أصيلاً. وقد يبدو الشرق الأوسط مختلفاً الآن، بينما تتشكل تحالفات جديدة وتتلاشى آخرى قديمة، لكن السعي إلى خدمة المصالح الشخصية على حساب الآخرين سوف يبقى.
في الحقيقة، صنع وجود "الدولة الإسلامية" رفاقاً غريبين. فعلى سبيل المثال، تعاونت الولايات المتحدة مع خصوم سابقين في الحكومتين السورية والروسية. والأكثر جدارة بالملاحظة أنها تعاونت مع إيران. وكان الاتفاق النووي الإيراني في جزء منه، بعد كل شيء، نتيجة للتهديد الذي شكله "داعش". كما أن روسيا وتركيا، اللتين توترت العلاقات بينهما بعد إسقاط أنقرة طائرة مقاتلة روسية في العام 2015، أصبحا أكثر تقارباً في وقت لاحق. لكن العدو المشترك تم ترويضه الآن (إذا لم يكن القضاء عليه تماما؟ً)، وكذلك أيضاً حال حماسة هذه الأطراف إلى التعاون مع بعضها بعضا.
ولنأخذ مسألة الأكراد. كانت حكومة إقليم كردستان سريعة إلى العمل بينما تراجع "داعش". ومستمدة الشجاعة من الدعم الأجنبي والمكاسب في الأراضي التي أحرزتها في القتال ضد "داعش"، عمدت هذه الحكومة مباشرة تقريباً إلى عقد استفتاء على الاستقلال، والذي اختار فيه الناخبون الأكراد الحصول على المزيد من الحكم الذاتي. وكان النجاح بهذا الخصوص غير مرجح دائماً، لكن أربيل خلصت، بمنطق معقول، إلى أن مغادرة "داعش" شكلت أفضل فرصة لها –وأن هذه الفرصة لن تدوم.
لكن ذلك المنطق لم يدُم طويلاً في واقع الأمر. فقد عارضت الحكومة في بغداد المسعى الكردي إلى الاستقلال بقوة. واضطرت إلى استعادة المناطق الشمالية التي كانت قد فقدتها في خضم القتال ضد "داعش". وانضمت تركيا وإيران إلى العراق في معارضتها. بل إن تركيا شرعت مسبقاً بدعم الحركات المناهضة للأكراد في المنطقة، وهو ما لم يكن مفاجئاً بما أنها تعتقد بأن كردستان عراقية مستقلة سوف تشجع السعي إلى إقامة كردستان تركية. وفي الأثناء، أسست أنقرة لنفسها نقاطاً أمامية في إدلب ومحافظة حلب، مع أنه ليس من الواضح كم هو حجم التواجد العسكري الذي تخطط له في سورية. وقد طوت الحكومة في أربيل منذ ذلك الحين خططها للاستقلال.
ثم هناك السعودية، المنخرطة دائماً في منافسة مع خصمها الإقليمي، إيران. والآن وقد تراجع "داعش"، تعتقد الرياض أنها وجدت الفرصة لكسب نفوذ على إيران. ومع أن السعودية تعادي سورية، فإن ذلك لم يوقف مسؤولاً سعودياً رفيع المستوى من السفر إلى الرقة للاجتماع مع المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص للتحالف العالمي ضد "داعش". وفي الاجتماع، ناقش المسؤولان احتمال تمويل الرياض لإعادة إعمار المدينة التي دمرتها الحرب. وسوف يعطي ذلك السعودية موطئ قدم في بلد متحالف تقليدياً مع إيران. ومن جانبها، كانت إيران سريعة إلى ملء الفراغات المتاحة للسيطرة. وكانت منذ وقت طويل داعمة للعراق وسورية. وتقوم قواتها العسكرية التقليدية بدعم الوكلاء في هذين البلدين، بمن فيهم حزب الله، والمجموعات الشيعية العراقية، والمقاتلين الشيعة من العالم الإسلامي الأوسع، بما في ذلك في أفريقيا، وشرق ووسط آسيا، في القتال إلى جانب قوات النظام السوري. (ويبدو أن وكيل إيران، حزب الله، قد أصبح أقوى منذ سقوط الرقة). ويهيمن على الدولة العراقية الحالية فصيل شيعي موالٍ لإيران، والذي كان له دور أساسي في دفع الأكراد إلى التراجع عن مسعاهم للاستقلال. وتواصل طهران دعم المجموعات اليمنية التي تحارب الجماعات التي تدعمها السعودية. وفي الأثناء، قال ولي العهد السعودي مؤخراً أن بلده لن يتوقف عن المشاركة في الحرب الأهلية اليمنية، لأنه لا يستطيع المخاطرة بتشكل جماعة أخرى شبيهة بحزب الله على حدوده –في إشارة ضمنية إلى الثوار الحوثيين الذين تدعمهم إيران.
أين تقف المنطقة
يبدو أن الجيش الإيراني التقليدي هو شيء لا تستطيع السعودية تجاهله. وتشكل الرياض القوة السنية الوحيدة في المنطقة، لكن نفوذها يتراجع. وقد أدت أسعار النفط إلى خفض الإيرادات الحكومية، وحدَّت من قدرتها على إدارة الإصلاح الاقتصادي والسياسي المنطوي على مخاطر في الوطن، والاضطرابات في الخارج. ويجعل ذلك منها مرشحاً مناسباً تريد إسرائيل التحالف معه، بوصفها مهددة بالمثل من إيران. وحتى الآن، كانت هناك ردود فعل محسوبة على التواجد العسكري الإيراني التقليدي المتنامي. في سورية، بدأت إسرائيل توجيه ضربات جوية أكثر تكراراً ضد أهداف لحزب الله، مثل القوافل ومرافق التخزين. ويقال أن الأسلحة التي يُعتقد أن هذه المرافق تضمها أو تنقلها تذهب إلى المليشيات التي تدعمها إيران في سورية والتي تدعم الأسد بدورها. ويشكل مجرد وجودها وحده تهديداً لإسرائيل، ولذلك يمكن توقع استمرار الضربات الجوية الإسرائيلية.
في كل هذه الأمور تتورط الولايات المتحدة. ولا يشكل الجيش الإيراني التقليدي تهديداً جدياً لواشنطن، لكن واشنطن تنوي إخضاع الشرق الأوسط لإرادتها أيضاً، وهي لا تريد أن تصبح إيران قوية أكثر من اللزوم. ويفسر ذلك إلى حد كبير لماذا لم يشهد الرئيس ترامب المصادقة على الاتفاق النووي. وقد سمح الاتفاق لإيران بالهرب من العقوبات المفروضة عليها، بينما مكّن الولايات المتحدة من خفض تورطها العسكري في المنطقة. وأصبح التعامل مع هاتين الحاجتين أكثر إلحاحاً لكل فريق مع وجود "داعش" قوي في المنطقة، وساعد ذلك في حفز التعاون.
لكن الظروف تغيرت، وكذلك تغيرت مكانة الاتفاق النووي أيضاً. ومن الجدير بالملاحظة أن إلغاء الاتفاق سيكون صعباً، لكن لدى الولايات المتحدة خيارات أخرى لإخضاع إيران. وعلى سبيل المثال، أقر مجلس النواب الأميركي مسبقاً تشريعاً لفرض عقوبات على حزب الله. وعلى الرغم من أن القانون بالغ الدقة، فإن الرسالة واضحة: تريد الولايات المتحدة العمل ضد إيران وجماعاتها الوكيلة، وهي تدرك تحالف المصالح مع إسرائيل والسعودية.
وإذن، هذا هو المكان الذي تقف فيه المنطقة. لا يُسمح للأكراد بإقامة دولة. وتكرس تركيا كل وقتها لمحاولة التغلب على النفوذ الإيراني في سورية والعراق. وتتحرك إيران لتكون قوة إقليمية أكثر بروزاً. وتعارض السعودية صعود إيران. والولايات المتحدة تريد توازناً للقوى.
إذا كان كل هذا يبدو مربكاً، فهو لأنه كذلك حقاً. فالشرق الأوسط مكان معقد. ومع ذلك، فإن الفكرة الأكبر هي أن الوقت يمضي ببطء في المجال الجيو-سياسي. لا شك في أن حدثاً محورياً يقع من وقت لآخر، والذي تمكن بسهولة معرفة أن له تداعيات طويلة الأمد، لكن مثل هذه الأحداث نادرة الحدوث. وتظل تغيرات الاتجاه شؤوناً مراوغة، أقرب إلى التحولات البيولوجية منها إلى الطفرات الجينية. وهو أمر يصعب تعديله في منطقة بمثل تقلب الشرق الأوسط. ونحن نعرف أنه سيتم ترويض "داعش" في نهاية المطاف، وكنا نعرف أن اللاعبين في المنطقة سوف يتسابقون إلى توجيه الموقف حسب ما يريدون. ويشير ما حدث على مدى الأسابيع الأخيرة في المنطقة إلى الطريقة التي تتجسد بها جهودهم لتحقيق ذلك.

*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Business as Usual in the Middle East

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق