ماجد توبة

بوح على هامش تراجع القيم والأخلاق

تم نشره في الخميس 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:05 صباحاً

رغم كل تفهمك للضغوط المعيشية والاقتصادية الصعبة التي تلقي بأثقالها على كواهل الناس، وتخرجهم في أحيان كثيرة من جلودهم ووقارهم، وتنعكس بحدة على أعصاب البعض واستجابته السلبية للتأثيرات الخارجية، إلا أنّ من غير المنصف أيضا التعامي عن أزمة غياب الأخلاق والقيم تجاه المجتمع والآخر لدى أعداد متزايدة من الناس خلال السنوات الأخيرة، إلى درجة مقلقة ومغيظة ومستفزة!
سلسلة طويلة من الظواهر الاجتماعية والأخلاقية السلبية التي يمكن رصدها والحديث فيها، على اعتبار أنها ظواهر تزايدت بالمجتمع الاردني خلال السنوات الماضية، وهي من التكرار والانتشار أحيانا إلى درجة أن الناس اعتادت عليها أو يئست من تغييرها، وإن تبرّمت وشكت منها بمجالسها وأحاديثها.
وبعيدا عن التنظير والعموميات، فلم يعد خافيا لدى الناس حجم انتشار الواسطة والمحسوبيات، والقفز عن القانون والأنظمة والتعليمات لتمشية المصالح والمعاملات، حتى لو كان في ذلك اعتداء على حقوق الآخرين ومصالحهم أو على القانون ذاته. في المقابل باتت الشكوى واسعة من انتشار الرشى لتمرير معاملات أو تجنب مخالفات وغرامات رسمية او لجلب منافع ومصالح غير مشروعة، فيما يصدمك البعض بلجوئه إلى مثل هذه المخالفات والأفعال المشينة أخلاقيا ودينيا وقانونيا بحجة أن هذا هو الدارج وأن الجميع يلجأ إلى ذلك اليوم!!
لم يعد هذا فسادا صغيرا يمكن هضمه أو تفهمه أمام الفساد الأكبر الذي يلجأ إليه مسؤول أو متنفذ، فالاثنان فساد قانوني وأخلاقي وقيمي ينخر بالمجتمع ومؤسساته وبمصالح العباد، لا يمكن تبريره أو هضمه إلا إذا ضربت المناعة الأخلاقية والقيمية للإنسان.
وجه آخر للأزمة الاجتماعية، تلمسه في انتشار الترهل الإداري وتقصير العامل والموظف بأداء وظيفته وواجباتها، إلى الدرجة التي باتت فيها مراجعة الكثير من الدوائر الرسمية والوزارات لأداء معاملة نوعا من المعاناة والإحباط إن لم نقل القهر. وهي مشكلة يكاد يكون تشخيصها واضحا لأغلب الناس، وهو في عدم احترام العديد من الموظفين لواجباتهم بخدمة المواطن والمراجع، بل واعتبار التهرب من العمل والإنجاز فهلوة وشطارة وراحة بال!
ودَعْ عنك ما تصادفه يوميا وعلى مدار الساعة في شوارعنا، ومع العديد من السواقين حيث يغيب الخلق والذوق والأدب عن سلوكيات هذا البعض وسياقته وتعامله مع السائقين الآخرين ومع المشاة، ما يفاقم من وقع مشكلة الاختناقات المرورية وسوء التنظيم وعشوائيته بشوارعنا ومناطقنا والانفجار السكاني و"المركباتي" في مدننا.
وعند الحديث عن أزمة الأخلاق والقيم لدى البعض وتزايد انتشارها، فلا يمكنك أن تقفز أو تتجاوز مشكلة التحرش الجنسي واللفظي بالسيدات والفتيات، والتي باتت وباء مخزيا ينتشر بين أوساط شبابية فارغة من القيم والاحترام، وتستغرب وأنت تراقب انحرافهم الأخلاقي والإنساني بممارستهم فعل التحرش دون أن يرف لهم جفن بالأسواق والأماكن العامة، وتسأل نفسك: ألا يخجل هؤلاء من عيون أمهاتهم عندما يعودون آخر الليل إلى بيوتهم؟! حقّ لأمهاتهم أن يخجلن من مثل هؤلاء المسوخ!!
هذا غيض من فيض؛ لمن أراد أن يرقب حجم الانحدار الأخلاقي والقيمي في المجتمع، وهو انحدار ومشكلة نتحمل كمجتمع قبل الحكومات مسؤولية توسعه وترسخه إلى درجة الاعتياد عليه والتواطؤ بالصمت عليه.
هو مجرد بوح، أو سمّه "فشة خلق" عن ظواهر وقضايا مقلقة وخطيرة بالبناء القيمي للمجتمع، نشعر أحيانا أننا كلنا نتجاهل تعريتها أو الوقوف أمامها. أعتقد أن الحاجة ماسة من الجميع للتوقف مليا أمام هذا الواقع المزري قيميا، ومغادرة مربعات الصمت، فالجميع، مجتمعا وأفرادا، يدفعون الثمن والضريبة الباهظة لهذا الحال.

التعليق