مكرسح - مشلول - أعمى.. إيذاء وإحباط لذوي الإعاقة يعزلهم عن مجتمعهم!

تم نشره في الجمعة 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • ينبغي ان يتحرر المجتمع من تلك النظرة القاصرة التي تسمح بالتمييز السلبي - (ارشيفية)

ربى الرياحي

عمان- آلام وأوجاع كثيرة تتسلل إلى أعماق العشريني محمد مصطفى بسبب تلك الكلمات الجارحة والمستفزة التي يطلقها عليه البعض كونه من ذوي الإعاقة الحركية. تلك الكلمات يلمس فيها الإهانة المباشرة التي لا يجد لها مبررا سوى أنه يعيش مع أناس يفتقدون للإنسانية.
 اكثر ما يستفز محمد استخفاف البعض بمشاعره، وتجرؤهم المستمر على إيذائه نفسيا وذلك من خلال نعته بالـ "مكرسح" وأحيانا بـ "العاجز" و"المشلول"، متجاهلين تماما أن هناك كلمات ألطف وأرقى بإمكانها أن ترفع من ثقته بنفسه وتجنبه بالتالي الإحباط والانطواء والتخلي عن مكانه في المجتمع.
ويضيف ان تقبل المجتمع لذوي الإعاقة يتحقق عندما يتحرر الجميع من تلك النظرة القاصرة المحدودة التي تسمح بالتمييز السلبي، وباستخدام ألفاظ هشة سطحية تقلل بالتأكيد من قدرات هذه الفئة ومن احترامهم، وتشعرهم بأنهم غير جديرين بالحياة وأن عليهم فقط أن يستسلموا لوضعهم بدون أدنى محاولة للتغيير ولإثبات العكس.
 ويبين أن الأشخاص من ذوي الإعاقة يمتلكون من الإصرار والتحدي ما يكفيهم ليكونوا سواسية مع غيرهم ومن واجب المجتمع بالمقابل أن يحميهم من العنف اللفظي الذي يطالهم لمجرد أنهم مختلفون.
كلمات مؤلمة وقاسية تلك التي تستوقف ذوي الإعاقة وتحرمهم من أن يعيشوا بسلام داخل مجتمع ما يزال حتى الآن يتعمد إقصاءهم وتحجيم إمكاناتهم الكبيرة. جهل البعض بانتقاء الكلمات المناسبة يعمق لدى هذه الفئة مشاعر سلبية من شأنها أن ترغمهم على الهروب والتنازل عن أبسط حقوقهم في أن تصان كرامتهم ويقدروا اجتماعيا وإنسانيا.
وترى الثلاثينية هيفاء هاشم أن هناك حساسية تجاه بعض الكلمات السيئة التي تطلق على الأشخاص من ذوي الإعاقة، وذلك لأنها تسلبهم هدوءهم وتربك تقدمهم قليلا لما لها من تأثير كبير على نفسيتهم وحتى على درجة احتكاكهم بمجتمعهم.
 تقول "تضايقني جدا كلمة (معاقة) تؤلمني كثيرا تخرجني عن شعوري وأفقد السيطرة على أعصابي". وتضيف أن انزعاجها من كلمة معاقة لا يعني أبدا رفضها لوضعها وعدم اعترافها به بل لكون هذه الكلمة تأتي كحكم مسبق على إمكاناتها، وتؤكد بالتالي عجزها وضعفها فقط لمجرد أنها غير قادرة على المشي.
كما أنها تنتقد أولئك الذين يتهامسون عنها فيما بينهم بحجة أنهم مشفقون عليها ولا يرغبون في إيذائها مبدين تأثرهم الشديد من خلال جملة حرام "المعاقة الله يشفيها". ويغيب عن أذهانهم أننا وبرغم الإعاقة "قادرون على أن ننجح ونبدع ونصنع علامات فارقة في حياتنا وحياة من حولنا.
وتبين أن في قاموسنا الكثير من الكلمات اللطيفة الراقية التي تبعث في النفس الأمل والتحدي والثقة كاصحاب الإرادة أو صناع الأمل وغيرها، متمنية أن يتم تقييم الأشخاص على ما يقدمونه من إنجازات تستحق أن تقدر وليس على أي مبدأ آخر حتى تتحقق العدالة الاجتماعية.
أما الطالبة الجامعية صفاء القيسي فتقول ان استهتارا وقسوة وتجردا معلنا من أية مشاعر إنسانية كلها أسباب تفسر تطاول البعض على كرامة ذوي الإعاقة، ونفسيتهم التي تتأثر غالبا بكل ما يقال عنها سواء كان ذلك سلبا أو إيجابا، لافتة الى ان احتكاكها الدائم بالمجتمع جعلها تقدر على تحديد السلوكيات الاجتماعية السيئة التي تتعرض لها باستمرار مع من مثلها، لكونهم فاقدي للبصر، وأهمها العنف اللفظي باعتباره موجع يشعرهم بالقهر والظلم ويتركهم تحت وطأة تلك الكلمات القاسية التي لا تقف عند الوصف الحقيقي وإنما تتجاوزه لتؤذيهم.
وتقول "كوني كفيفة منذ الولادة كثيرا ما كنت أسمع كلمة (عمية) وفي كل مرة كانت تقال لي كانت تنتابني حالة من البكاء المتواصل تشل تفكيري وتقيدني وتدخلني في عزلة طويلة مع نفسي". وتؤكد انها اليوم قادرة على التعامل مع هذا النوع من الناس وتعرف جيدا كيف ترد عليهم بطريقة تشعرهم بالخجل وتثبت لهم أنهم مخطئون في حقها.
وتوضح أن على المجتمع مسؤولية كبيرة تجاه ذوي الإعاقة تتمثل في تثقيف الناس وتأهيلهم ليكونوا على قدر كاف من الوعي واحترام اختلاف الآخر من خلال عقد دورات تختص بهذا الجانب تحديدا، لكي نستطيع على الأقل أن ننتمي لمجتمعات تؤمن بنا وبقدراتنا.
بدوره يشير اختصاصي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطارنة إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة أكثر حساسية من غيرهم من الأشخاص، الأمر الذي يستدعي الحذر في التعامل والحديث معهم وعدم الإشارة إلى الإعاقة عندهم لا من قريب أو بعيد من خلال الكلام.
وينوه إلى أن الأصل أن يتم التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة كغيرهم من الناس وعدم الحديث في مضمار معاناتهم او عدم قدرتهم على القيام بأمر ما، مبينا أنه لا يجوز أخلاقيا وتربويا نعتهم بصفات وألفاظ قد تتسبب بأزمة نفسية وأخلاقية لهم.
ويعزو مطارنة قيام بعض الأشخاص بمثل هذه "السلوكيات غير الأخلاقية" إلى ثقافة المجتمع وهو ما يتمثل في تعامل العديد من الناس مع أشخاص ذوي الإعاقة بنظرة دونية! بالرغم من النجاح الكبير الذي حققه هؤلاء الأشخاص في حياتهم وزيادة وعي الناس في أنهم لا يقلون عن غيرهم ابدا.
ويتابع مطارنة أن الأصل أن الإنسان الواثق من نفسه لا يهتم بالنقد من قبل الآخرين ويجب أن تكون لديه قناعة بما يملكه من القدرات والتي تفوق بكثير من الاحيان الأصحاء.
النظرة الدونية والعطف والشفقة التي يتعامل بها بعض الناس مع الأشخاص ذوي الإعاقة، وأحيانا بعض العبارات والألفاظ غير المقبولة تسبب لديهم ردة فعل عصبية وتزيد من نقمته على المجتمع وعلى الناس، لافتا إلى ضرورة ادراك واجباتهم اتجاه هذه الفئة، وان لا يتكلموا معهم بموضوع الإعاقة لما لها من آثار نفسية على شخصية ذوي الإعاقة، وبالتالي لابد من منحهم أهمية خاصة آمنة وسليمة.

التعليق