"واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"

تم نشره في الجمعة 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

"جاءت في سورة الأنفال مجموعة نداءات للذين آمنوا، تدعوهم إلى الثبات عند لقاء الأعداء: "يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار.."، وتدعوهم إلى طاعة الله ورسوله: "يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون.."، وتدعوهم إلى الاستجابة: "يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون. واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب"، وجاء نداء رابع ينهى عن الخيانة: "يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون، واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم"، وأمر أخير في هذه السلسلة: "يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفّر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم".
هذه نداءات خمسة متتالية، وجاء نداء أخير يلخص هذه الخمسة معا بقوله تعالى: "يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون. وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين". فقد توافق ذكر الثبات والطاعة بشكل واضح، ولعل النهي عن التنازع كي لا تذهب قوتهم وهيبتهم مقابل للنهي عن الخيانة، فبينهم وبين الله عهد لا ينبغي تقديم النزاع والخلاف عليه، ويبقى ذكر الله والصبر، ولعل ذكر الله بمفهومه العام الذي هو يشمل أيضا إقامة شرعه هو الاستجابة لله والرسول إذا دعاهم لما يحييهم، ففي ذكر الله تعالى حياة القلوب والعقول معا وإقامة لشرع الله تعالى، وأخيرا التقوى ديدن مستمر في حياة المؤمن، وبحاجة إلى صبر، فهي التي تقابل الصبر، والله تعالى أعلم وأحكم.
ذهب العلماء إلى تفسير الحياة الواردة في قوله تعالى "لما يحييكم" مذاهب مختلفة، وكلها تلتقي في أمر عام فيه استشعار عظمة الله تعالى وذكره وإعلاء كلمته، فليس الذكر مجرد كلمات تقال، بل حياة القلوب وتعلقها بخالقها سبحانه، ومن باب أولى إعلاء شأن الدين والدفاع عن حرمات المسلمين.
وفي سياق الحديث عن الاستجابة لله والرسول في شأن الحياة الحقيقية، جاء قوله تعالى: "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تُحشرون"، وهو تهديد للذين يتهربون من الاستجابة أو يتلكؤون فيها، فالله يحول بين المرء وقلبه فلا يعود الإنسان يملك من أمره شيئا، فلا يظنن أنه قادر حتى على نفع نفسه أو أن يغتر بقوته، ولذلك جاء قوله تعالى "وأنه إليه تحشرون" دلالة على الموت والبعث بعده. وهنا يأتي قوله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب"، فحين لا تكون الاستجابة لله وللرسول فيما هو حياتهم، وبالتالي الإعراض عن الله وعن المنهج، حينها تكون الفتنة، وهذه الفتن وآثارها لا تصيب الظالمين فقط، بل تعم، ويعم عقابها.
وهنا لا بد من استحضار نصوص كثيرة في شأن النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه الأمة أمة حية، يعيش أفرادها جميعا لله لا لمجرد أنفسهم، وحين يعيشون لله فلا شك هم يعيشون لأمتهم، ولا يرضون لها ضعفا ولا ذلا، فانتماؤهم لله يجعلهم ذوي بصيرة في شأنهم، قلوبهم وعقولهم يقظة متعلقة بالله تعالى، لا يؤثر فيها حب دنيا ولا أهواء نفس، بل تجرد كامل لله تعالى ونصرة منهجه ودينه.
نخشى والله على كثير من البلدان التي شاع فيها الظلم والظالمون، فحاربوا الله ورسوله، وليس هذا بجديد فتاريخ البشرية حافل بهؤلاء، ولكن المصيبة حين يسكت الناس على الظلم ولا يتحرك لهم ساكن في سبيل دفعه، فهنا تكون المصيبة وربما الفتنة التي لا تصيبن الذين ظلموا خاصة، والأدهى والأمرّ هنا من يأتي ليمكّن للظالمين باسم الدين نفسه، بحجة طاعة ولي الأمر، فقد اختلطت عليهم النصوص، بل دخلت في أنفسهم الأهواء.
هناك نصوص كثيرة تدعو إلى النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صحيح أن هناك منها ما له علاقة بالحاكم، ولكن لا بد من فهمها فهما صحيحا، فقوله عليه الصلاة والسلام: "إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم؛ ولكن من رضي وتابع! قالوا: يا رَسُول اللَّهِ ألا نقاتلهم قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة"، فالنص لا يمنع من النصح والتوجيه ونقد المنهج الخاطئ.
ومن هذه النصوص قوله عليه الصلاة والسلام: "لا إله إلا اللَّه! ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلّق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها. فقيل: يا رَسُول اللَّهِ أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث"، وقوله: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن اللَّه أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم"، وقوله: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر"، وقوله: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق اللَّه ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض"، وقوله: "لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن اللَّه بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم"، يعني بني إسرائيل.
هي نصوص في مجموعها تدعو الأمة أن تكون حية يقظة، تنصح ولا تفضح، وتتحرك من أجل صالح عام، فلا حظوظ نفس ولا أهواء ولا منازعة حكام، بل أن تكون الأمة في أعلى درجات اليقظة والنهضة والعزة، وإلا فالمصير الذي نراه، حيث نحن في ذيل القافلة، ولا إرادة ولا شأن لنا إلا اتباع الآخرين، ونخشى أن تدركنا فتن لا تصيبن الظالمين فقط.

التعليق