أنسـاق الشـرّ.. فكـرة الخيـر

تم نشره في الجمعة 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:00 صباحاً

معاذ بني عامر

عندما يتعاظم الشرّ، يصير الحديث عن الخير شرًّا مذموما. ففي تلك الأوقات العصيبة، يتهافت الناس لإثبات انتماءاتهم الضيقة على حساب أفقهم الإنساني الرحب. لذا يصير الانطواء تحت مظلة تلك الانتماءات عملاً بطوليا، ينبغي على المرء أن يضطلع به، لكي يبقى آمناً في ظلّ جماعته أو طائفته أو أبناء وطنه أو آيديولوجيته أو عقيدته أو قوميته. أما إذا  ما أراد شخص ما أن ينفصل عن هذا السياق الشرير ويذكّر أبناء جلدته بأنهم يفتعلون ويفعلون ما يحطّ من قيمتهم الإنسانية، من خلال تعزيز مسلكياتهم العنيفة والحاقدة واللئيمة، فسيقابل بالرفض والنبذ، فهو يخترق ناموس الجماعة التي ينتمي إليها. وبما أنهم بصدد تعزيز لأنساق شريرة، فستكون دعوته للخير والحب والتسامح بمثابة خرق لذلك الناموس، الذي يستوجب العقاب.
وقد كان للروائي "قسطنطين جورجيو" أن يكون شاهداً على حالة مُشابهة كالتي أتحدث عنها يوم أن أصدر روايته (الساعة الخامسة والعشرون)، إذ مُنعت في أوروبا كاملة، لأنها دانت الإنسان الأوروبي كاملاً بجميع أطيافه وألوانه السياسية والثقافية. فتلك الأنساق الضيقة مجّدت القتل والذبح والإبادات الجماعية على أساس عرقي وديني وطائفي ووطني، وسعى كل عرق وكل طائفة إلى إبادة الأعراق والطوائف الأخرى، مما حوّل أوروبا إلى مكرهة كبيرة تهالكت فيها الذوات المُتناحرة لإثبات أحقادها وكراهياتها بحقّ الآخرين، فناموس الجماعة يفرض هذا العرف الشرير فرضاً، وكل من يخالفه يدفع ثمناً. وقد كان الثمن الذي دفعه "قسطنطين جورجيو" ثمناً كبيراً، متمثلاً بمنع روايته التي تحمل بين طياتها شخصية أخلاقية عظيمة، ستكون سبباً، كما أشرتُ في مقالتي: الساعة الخامسة والعشرون.. القيامة الجديدة لأوروبا، إلى تعزيز مسلكيات الإنسان الأخلاقي، على حساب مسلكيات الإنسان الغرائزي الذي فتك بأوروبا ودمّر حضارتها في حربين كبيرتين بداية ومنتصف القرن المنصرم. وقد أتى المنع كنوعٍ من وضع كاتم للصوت بوجه صرخة "قسطنطين جورجيو" المؤلمة والموجعة: "كُـلّنـا على خطأ، كُـلّنا أشرار".
فوسط تلك الاندفاعات الغرائزية العنيفة لم يكن لأحد –إلا القلّة- أن يدفع باتجاه التعقّل، فالوقت هو وقت الشعور الجمعي للطائفة، الأمة، أبناء الدين الواحد، أبناء الوطن الواحد، الذي يتجلّى تجلّيه الأكبر في مقارفة الشرّ جهاراً نهاراً، والتغنّي به بصفته مأثرة بطولية، لا ينبغي تجاوزها، لأن أي تجاوز لها سيؤدي إلى فناء الجماعة أو الدين أو الطائفة أو الأمة.
لكن هَهُنا لا بد لي من توضيح نقطة لها علاقة مباشرة بتبنّي فكرة الشرّ، فهي بالنسبة لِمَن يفتعلها ليست كذلك، ولكي تتوضح الصورة أكثر لا بد لي من أن اسأل سؤالا متعدّداً، سيكون له الأثر في الكشف عمّا أنا بصدده:
هل كان ثمة اعتقاد لدى أتباع الدين المسيحي بأنهم لا يقومون ليس بأعمال بطولية فحسب، بل ومقدسة أيضاً، لكي يحرّروا القدس وموطن السيد المسيح من أيدي المسلمين الوثنيين؟
وهل ثمة اعتقاد الآن لدى اليهود أنهم لا يفعلون الخير وهم يُعملون بنادقهم في الإنسان الفلسطيني؟
وهل ثمة اعتقاد لدى أتباع بشار الأسد في سورية أنهم لا يتبنّون الحق وهم يقاتلون من يعتبرونهم خارجين على القانون وإرهابيين وقتلة؟
...الخ.
إذاً، ليس ثمة شرّ في عُرف من يمارس الشرّ، كما الأمر بالنسبة لمُراقب يفترضُ ذلك من الخارج. بل ثمة إقرار بأن الخير هو سيد الموقف، نظراً لاستناده إلى بُعد حقّاني في أدبيات من يُمارس ما يمكن اعتباره شرًّا. فاللحظة التي يُمارس فيها ما يمكن اعتباره شرّاً من الخارج، يكون قد أُسِّسَ لها باعتبارها لحظة خير في الداخل، لذا لم يكن لأتباع الدين المسيحي أن يروا في الحروب الصليبية إلا حروباً مقدسة تستهدف الوثنيين. ولم يكن لأتباع الدين الإسلامي أن يروا في حروبهم ضد الآخرين إلا فتوحات تروم إخراج الآخرين من الظلمات إلى النور. ولم يكن لليهود أن يعتبروا عمليات الإبادة التي يقومون بها ضد الفلسطينيين إلا عمليات ضرورية ومصيرية لإثبات أحقيتهم على أرض فلسطين. ولم يكن لأتباع بشار الأسد أن يروا فيما يفعلونه في سورية إلا الخير. وهكذا، بما يجعل من فعل الخير مقترناً بفعل الحق، مما يُصعّب المهمة على مَنْ هو داخل المنظومة ذاتها إذا ما أراد انتقاد سياقاتها، على اعتبار أنها سياقات تحطّ من شأن الإنسان، حتى وهي تعلي من شأن أتباعها. فنقده لها سيكون بمثابة الخيـانة العظمى التي تستوجب عقاباً، لا سيما لحظة حدوثها. إذ ليس سهلاً على فردٍ أو جماعة أو دولة أو طائفة أو دين أن يمارس شرّا بحقّ الآخرين، أن يتجاوز أنساقه، من خلال نقدها ابتداءً، والتأشير على مكامن الخلل فيها، لغاية الارتقاء بالإنسان على الإطلاق، فهو إذ ينقد فإنه يمنح الآخر قيمة لناحية تحريره من الشرّ الذي مُورس عليه من قبل طائفته أو جماعته أو أبناء وطنه أو أبناء دينه.
لكن نقد أنساق الشرّ وتفكيك أبنيتها، ليس مسألة سهلة بالمرة، ولو راجعنا المُدونـة التاريخيـة بكاملها لن نجد على المستوى الجمعي أمةً او طائفةً أو ديناً...الخ، قد نقدت أنساقها نقداً جذريـاً، لا سيما ساعة مارست ظلمها وبطشها وشرّها بحقّ الأمم والطوائف والأديان الأخرى، بل كان ثمة إمعان في ممارسة الشرور. فاللحظة التي تندفع فيها الجماعة أو الأمة، للنيل من جماعة أو أمة أخرى، هي لحظة غير عاقلة، تندفع فيها الغرائز اندفاعاً قوياً وعنيفاً من وجدان الناس، إلى حدّ يصبح معه إيقاف عجلتها أمراً في غاية الخطورة، نظراً للسرعة العالية التي ينطلق بها، بما يجعل منها أداة قوية لطحن كل من يقف بطريقها. لكن عندما تتجاوز الشرور الإمكان الذي يمكن أن يحتمله الناس، تخرج بعض الدعوات الخجولة هنا وهناك لتقول بصمتٍ: ليتنا ما فعلنا ما فعلنا، لكن الوقت يكون قد فات وآن أوان الأحزان الكبيـرة.
لكننا سنجد من ينقد تلك الأنساق على المستوى الفردي، لكنها دعوات تذهب بين الأرجل، فتلك الماكينة الغرائزية الهائلة تطحنها وتفتت فكرتها. فالشرّ المُتعاظم لحظة اقترافه يتطاول على العقول، بصفته دفقة غرائزية قوية، بما يجعل من دعوات الأفراد الخيرية التي تروم نظرة عقلانية وأخلاقية إلى ما يحدث لحظة حدوثه، لا استدراكاً له بعد فوات الأوان؛ دعوات يتيمة ومنبوذة في العموم. لكنها ستبقى الدعوات الأكثر انسجاماً مع متطلبات الإنسان العليا، تحديداً تلك المتطلبات التي تسعى إلى كبح جماح الشرّ الإنساني على الإطلاق، سواء أكان مصدره الذات أو الآخر، وتعميم فكرة الخيـر على الإطلاق كذلك، بما يجعـله يتسامى على أحقاده وضغائنه والنقاط السود في قلبه، ويدفع باتجاه ثقافة للوئام بين بني البشر. فهو إذ يكافح لكي يتجاوز ذاته الجمعية بصيغتها السلبية، ويحلّ في الآخرين حلولاً رحمانياً، فإنه يخوض غمار طريق طويل ومعقّد، عبر مكابدات جمالية ومعرفية وأخلاقية، لكي ينفصل عن ذاته الحيوانيـة التي تدمـر الاجتماع الإنساني تدميراً دائماً وممنهجاً، ويتصّل بذاته الأخلاقيـة التي تبني الاجتماع الإنساني، وتمنحه أفقاً يليق بالإنسان المُتسامي فوق شروره.

التعليق