محمد أبو رمان

عن الأردنيين.. إرث الأردن

تم نشره في الجمعة 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:10 صباحاً

يتغوّل المزاج السلبي على المشهد العام، فلا نقرأ أو نسمع إلاّ أخباراً مقلقة، ولا يتداول الناس إلاّ ما يُضعف الحالة المعنوية، من الضغوط الاقتصادية إلى قضايا الإرهاب والتطرف وتحولات الجريمة وقصص المخدرات وتراجع سلطة القيم الأخلاقية في المجتمع.
لا يمكن إنكار هذه التحولات والوقائع، لكن من الظلم أن نختزل من خلالها الحالة الاجتماعية والثقافية، وتحديداً عندما نتحدث عن جيل الشباب، ليبدأ بعدها مسؤولون ومثقفون وأكاديميون بالتأفف وضرب يدٍ بيد، تحسّراً على هذا الجيل الضائع تحت وطأة الهواجس على مستقبله ومما يواجهه، فيجري اختزاله عادة بحالة اللامبالاة، وعدم القراءة، والاغتراب الثقافي والسياسي، وربما المخدرات والتطرف والبطالة!
في ذلك ظلمٌ شديد للمجتمع ولجيل الشباب. وربما نظرة خاطفة على حجم المبادرات الاجتماعية والثقافية وعدد الشباب المنخرطين فيها، كفيلة بأن تهزّ هذه الصورة النمطية السلبية السوداوية. ومثل هذه المبادرات تستحق الاهتمام والدعم بصورة أكبر، لأنّها تمثل الديناميكية - المقابلة لتلك الروح البائسة المحبطة- المطلوبة، التي تعمّم الطاقة الإيجابية وروح العمل والتفاؤل والخير العام، وهي – أي المبادرات- لا تحتل مساحة صغيرة في الواقع الحالي، بل هنالك جهود وأعمال وأفكار وشريحة اجتماعية عريضة واسعة من الشباب الأردني من يؤمنون بالإصلاح والتغيير والعمل من أجل الخير العام، لكننا استسلمنا للصورة السوداوية، بدلاً من تركيز الضوء على النماذج الإيجابية والإبداعية!
من هذه النماذج الإبداعية، وقد تحدثنا سابقاً عن نماذج عديدة أخرى، مؤسسة "إرث الأردن"، التي بدأت عملياً نشاطها قبل أربعة أعوام فقط، ومهمتها هي بناء ثقافة وطنية تستوعب الإرث التاريخي الأردني، بأبعاده السباعية الشاملة (الإرث البيئي، إرث المناظر الطبيعية، إرث المعالم، إرث المواقع، الإرث المبني، إرث الأنشطة، وإرث الأشخاص).
بالرغم من العمر القصير لهذه المؤسسة فإنّها قامت بجهود كبيرة، منها تجميع قرابة 7500 صورة تاريخية نادرة، عن تاريخ الأردن منذ النصف الثاني من القرن التاسع حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين (منها معرض في مكتبة الجامعة الأردنية)، وأقامت معارض لهذه الصور، وهي صور من الضروري أن تستثمرها الدولة في المنشآت العامة والمتاحاف والمؤسسات الرسمية، كجزء من التعبير عن الهوية الوطنية.
وأقامت المؤسسة معرضاً للعالم الافتراضي لآثار الأردن، المنتدى العالمي للعلوم 2017، يستطيع من خلاله الزائر التجول في الآثار الأردنية، عبر كاميرا تنقله افتراضياً إلى تلك الأماكن. كما تمّ تجميع عشرات الأكلات الشعبية الأردنية التقليدية عبر فيديوهات خاصة. ويعدّ القائمون على المؤسسة حالياً لأفلام وثائقية عن شخصيات تاريخية وأحداث تاريخية أردنية لتعريف المجتمع وجيل الشباب بهم. 
وهناك اهتمام بالبيئة الطبيعية على الموقع الالكتروني للمؤسسة وصفحتها على موقع الفيس بوك، إذ نجد معلومات عن الأشجار والحيوانات والطبيعة الأردنية.
كل ذلك مهم، ومع تراكم جهود المؤسسة سنكون أمام "موسوعة أردنية" جميلة ومهمة، تقدم بصورة حداثية متطورة مقنعة. لكن الأهم من وجهة نظري فيما يقوم به القائمون على هذه المؤسسة، وهم من جيل الشباب الأردني المتميز، هو عملية بناء الذاكرة الأردنية بأبعادها المتكاملة، سواء على صعيد المجتمع والدولة، أو حتى على صعيد المكان والجغرافيا، وهم يحفرون في جهودهم عميقاً في محاولة استكشاف الذات الجغرافية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
جلست مع الصديق معاذ دهيسات، أحد المشاركين في هذه المؤسسة (مع مديرها فراس خليفات ومدير الأبحاث عمر عطيات)، وباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية، وتحاورنا في بعض الجهود والأهداف، والخلاصات التي وصلوا إليها، وهي تتجاوز عملية تجميع الإرث إلى بناء الوعي والذاكرة والثقافة، بالرغم من محدودية الدعم وقلة الإمكانيات!

التعليق