موفق ملكاوي

التعليم بين زمنين

تم نشره في الجمعة 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:07 صباحاً

قبل ثلاثين عاما تقريبا، أدمنت لعبة غريبة؛ كنت أدون في كراسة خاصة سلوك المعلمين في المدرسة.
لم أكن حينها قد تحولت إلى السوداوية، لذلك كنت أدون الإيجابيات قبل السلبيات، فأحتفظ في الصفحة نفسها بعمودين متقابلين؛ الأول للإيجابيات والثاني للسلبيات. كان بإمكاني حينها ترديد كثير من الإيجابيات.. وقليل من السلبيات.
كان المعلمون ينطلقون من مسؤولية عالية في التحدث إلى الطلبة والتعامل معهم. صحيح أن بعضهم، أو بعض أقوالهم وأفعالهم، اشتملت على بطريركية بنسب متفاوتة، إلا أن أداءهم، في المجمل، كان يتساوق مع قيم ذلك الزمن.
كان القيم السائدة حينها متأسسة على ثقافة طورها الوعي الفطري للأردنيين في اتجاههم نحو التعليم، مستشرفين أهميته، وضرورة أن ينال أبناؤهم قسطا منه. كان المعلم يستشعر القيمة الكبيرة لمهنته بصفته صاحب رسالة، وليس موظفا بدوام جزئي.
استعيد هذه الأفكار اليوم ونحن نتداول ونتناقش حول التحديات الهائلة التي تواجهها عمليتا التعليم والتعلم. ثمة ثقافة أخرى انبنت من خلال الرخاوة التي طورها التعقيد الاجتماعي، وتراجع دور المعلم في الحياة العامة، إضافة إلى تراجع النظرة المجتمعية للتعليم كـ"وظيفة".
في مدرسة في صويلح، مثلا، تتهم مديرة أحد طلبتها بأنه غير سوي كونه يراجع طبيبا نفسيا، وتجهر بذلك أمام المعلمات. المديرة نفسها لا تتورع عن إطلاق عبارات نابية بحق طلبة وأهاليهم أمام بعض المعلمات.
في مدرسة أخرى، يخشى المعلمون ردود فعل المجتمع المحلي، وأحيانا يخشون على سلامتهم الشخصية إن هم اتخذوا قرارا ما بحق أحد الطلبة. هذه الخشية لم تأتِ من فراغ، فقد تعرض أكثر من معلم للاعتداء، في حين تم تهديد آخرين بالنيل منهم في حالات أخرى.
في المحصلة، ثمة ثقافة، أخرى، خاطئة بالتأكيد، تم التأسيس لها وساهمت في التأثير على عمليتي التعليم والتعلم، وأدت إلى تدهور صورة المعلم والمدرسة لدى الطلبة والمجتمعات المحلية. كما أصبحت عملية التعليم برمتها خاضعة لنظرة دونية؛ بدءا من الكتاب، فالمناهج، والمعلم، والمدرسة، والإدارات، وصولا إلى الوزارة المسؤولة.
هذا السلوك الشقي لم يساهم فيه العامة وحدهم، بل أيضا هو نتاج لإسهام بعض النخب التي دخلت في "مماحكات" لا علاقة لها بالصالح العام، كما أسهم فيها، كذلك، القطاع الخاص، بوعي أو بغير وعي، حين ضغط كثيرا من أجل فتح الباب واسعا أمام التعليم الخاص بشقيه؛ المدرسي والجامعي، وأيضا بعض الجهات الرسمية التي توسعت كثيرا في منح تراخيص المدارس الخاصة، والتي كان بعضها أشبه بـ"دكاكين" لا تمتلك القدرة على إدارة العملية التعليمية والتربوية.
تلك السلوكيات جاءت بمخرجات أشبه بالفاجعة حين ذهب هؤلاء إلى الجامعات، لنرى حينها التحديات التي تواجهنا من حيث شيوع العنف الجامعي والمجتمعي، وتخريج طلبة ضعاف غير قادرين هم أيضا على المساهمة في العملية التعليمية بنجاح، إضافة إلى مشاكل أخرى تتعلق بتدني مهارات الخريجين إلى الحد الذي لا يكونون فيه مؤهلين لسوق العمل، وتدني الإنتاجية، بشكل عام، بسبب ضعف المخرجات تلك.
نؤمن أن وزير التربية الحالي د. عمر الرزاز يمتلك الرؤية والمقدرة على النهوض بعملية التعليم والتعلم، وإعادة الاعتبار لصورة المعلم ومكانته في المجتمع. والسؤال المهم في هذا الإطار: هل سنساعده في مهمته هذه؟

التعليق