‘‘توثيق اللحظة الجميلة‘‘ يتقلص ما بين الكاميرا التقليدية والذكية

تم نشره في السبت 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • الاختلاف في توثيق اللحظات وإقتناصها من قبل الأفراد ما هي إلا اسقاطات للتغير الذي طال العالم بأجمعه - (أرشيفية)

تغريد السعايدة

عمان- استوقف عهود أحمد وهي تقلب مجموعة من الصور القديمة، التي تحتفظ بها في ألبوم صغير، وتروي اللحظات الجميلة التي عايشتها في تلك الأيام، ما ترويه الصور الحالية التي أصبح غالبية الناس يحتفظون بها وتوثق اللحظات الصعبة والقاسية أكثر من لحظات الفرح والسعادة.
وتقول إنه حتى عهد قريب كنا نتصيد اللحظات الجميلة التي تجمعنا مع الآخرين في مناسبات جميلة مثل الأعراس والرحلات والتجمعات العائلية وأفضل اللقطات للأطفال ونوثقها بالصورة، إلا أن الأمر بات مختلفا تماماً مع وجود الهواتف الذكية، التي تفتح المجال لكل شخص بأن يوثق ما يشاء من اللحظات، حتى أصبح الكثيرون منهم يتسابقون لالتقاط لحظات الألم والموت أحياناً لآخرين هم في النهاية أقارب وأعزاء لديهم.
وتستغرب عهود من يوثقون لحظات الحزن والألم، متسائلة لماذا يضطر هؤلاء إلى الاحتفاظ بصورة لها وقعها الحزين على النفس، فيما أنه كان بالإمكان أن يحتفظ بصورة جميلة للآخرين.
وتعتقد أحلام الحناوي أن الصور عبارة عن ذكريات ليست مجردة بالنسبة إليها، فالصور تحمل في داخلها أشخاصا وأماكن وأصواتا وروائح اختفت ولن تعود مرة أخرى، لذلك هي لا ترغب كثيراً بتوثيق الصور والحالات سواء لها أو لغيرها، لأنها في النهاية مجرد ذكريات، موضحة "وأنا أكره الذكريات".
إلا أن أحلام، في جميع الأحوال لا تحبذ أن يكون هناك اقتناص للحظات الحزن وتجميعها في صور، وفي حال أراد الآخرون الاحتفاظ عليهم على الأقل أن تكون صورا تحمل في ثناياها لحظة جميلة تدفعهم للفرح والابتسام لا الحزن والتوتر والبكاء أحياناً.
فيما يرى خالد نصر أن الصور ضاع بريقها عندما بدأ الناس يلتقطون صور "السيلفي" لأنفسهم، ففي السابق كان الشخص إذا أراد التصوير يجمع حوله أكبر عدد من الأصدقاء أو أفراد العائلة لتكون صورة للذكرى، كون الصور قديماً كانت قليلة وتحتاج إلى تكلفة مالية أحياناً، أما الآن فإن غالبية الأشخاص خاصة الفتيات يرغبون بالتصوير منفردين منساقين إلى "السيلفي"، ومنهم من يقوم بتصوير سلفي لنفسه وخلفه حادث سيئ أو أشخاص مرضى وغيرها من مشاهد الآسى.
ويؤكد أن مثل هذه الصور تعتبر مخزونا "سلبيا"، على العكس من الصور القديمة التي تضم أغلب أفراد العائلة، ولا تكون إلا لمناسبات جميلة وذكريات رائعة ولأشخاص يتصورون وهم في أفضل حالاتهم وأجمل الأوقات العائلية السعيدة.
اختصاصي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطارنه، يرى أن هذا الاختلاف في توثيق اللحظات واقتناصها من قبل الأفراد ما هي إلا اسقاطات للتغير الذي طال العالم بأجمعه، وهي صورة لعدم فهم الحياة بمعناها الصحيح، وتعبر عن حالة تشاؤمية لدى الشخص الذي يقوم بهذا التصرف.
ويردف "لهذا يعمد الشخص إلى تصوير لحظات الألم والحزن والمرض والموت والمشاجرات، ويتناسى أن يضع صور الفرح والسعادة في مقدمة صوره، حتى تكون ذكرى جميلة ويتذكر بها الأشخاص باجمل حالاتهم وليس بحالة لا يرضاها حتى الشخص الذي تم تصويره".
أما ملاك ياسين فترى أن كل شيء في القديم كان له بريقه ورونقه الخاص، وفيه من سمات البساطة والعفوية للأفراد والجماعات، وهذه الملامح كانت تنعكس على الصور التي نلتقطها للحظات حياتنا، وتوثيقها إلى الآن، ولا يوجد فيها أي نوع من التصنع، إلا أنه وفي الوقت الحالي اختلفت هذه الصورة، وأصبح الكثير ممن يرغبون بالتصوير يبحثون عن الثغرات السلبية في الحياة وترصدها وتصويرها وتوثيقها للعيان.
وترى ياسين أن أحد الأسباب هو الاختلاف في عملية التصوير، إذ لم تكن في السابق متاحة بهذا الشكل، وكان الفرد يحتاج إلى الاستعداد للصور أو الذهاب إلى استوديو مخصص للتصوير، أو تجهيز كاميرا وهذا يحتاج إلى وقت وإلى اقتصار عملية التصوير على المناسبات السعيدة، بينما الآن، الهاتف المحمول متاح ويمكن تصوير كل شيء وبنفس اللحظة، وأصبح الكل شركاء في اختيار لحظة التصوير بمعنى أن الشخص فقد حقه بالتفرد في قرار التصوير، وكانت مناسبات الفرح واللحظات السعيده تطغى على مفردات الحياة.
وتعتقد ملاك أن السبب في ذلك هو أن مثل هذه التصرفات والتحركات السلبية أصبحت تجد صدى وتقبلا من الآخر، خصوصا في ظل مواقع التواصل الاجتماعي ونشر الصور بهدف كسب أكبر جمهور وحصد المتابعة والمشاهدات، مؤكدة أن بعض الناس يرون أن تصوير المريض او مصابي الحوادث أمر يوثق اللحظة ويعودون فيه للذكريات. ويطلب مطارنة من الأشخاص الذين أصبح همهم التصوير والتوثيق أن يكون لديهم جانب إيجابي يتطلعون على العالم من خلاله، الذي ينعكس على حياتهم ومن ضمنها توثيق الصور واللحظات، والذي يعكس كذلك الراحة النفسية للفرد، والصفاء الذهني لديه.
ويشير إلى أن الناس في السابق كانت تجمعهم اللحظات السعيدة والمناسبات على اختلافها، ويسارعون إلى توثيقها لتكون ذكرى جميلة في المستقبل.
كما ويذهب مطارنه إلى مدى تأثير الصور على الأطفال، لذلك يجب على الأهل أن يكون لديهم مخزون "جميل ومفرح وإيجابي" حتى يشاهده أبناؤهم فيما بعد، ويفرحون به ولا يكون مخزونا سلبيا يؤثر على نفسيتهم فيما بعد، مثل الاحتفاظ بصور الأجداد وهم بأفضل حال وليس وهم في حالات المرض أو على سرير الموت كما يفعل البعض، عدا عن أن هذه الصور المخزنة في الهاتف أو الألبوم تعطي صاحبها دافعا للفرح أو الحزن بحسب الحالة التي تم حفظها.

التعليق