د.باسم الطويسي

هل العرب أمة من المتدينين؟

تم نشره في السبت 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:07 صباحاً

العديد من الدراسات سواء المسحية او الفلكلورية التي ظهرت في السنوات الأخيرة ذهبت الى وصف العرب بالتدين، بالاعتماد على مؤشرات رواد المساجد او الذين يحرصون على أداء العبادات كما هو الحال في المواقف والمرجعيات في السلوك العام، وعلى الرغم من أن المسألة معقدة ومركبة ولا يمكن حسمها بسهولة إلا أن الطريقة التي ظهرت  فيها موجات التدين خلال العقود الاربعة الماضية تحمل دلالات متناقضة تعيد طرح السؤال مجددا وتحديدا حينما نراقب الطريقة التي تنسحب وتعود فيها الحركات الدينية المعاصرة وتحديدا الحركات المتطرفة كما يحدث هذه الايام، ومواقف المجتمعات منها وأخص بالتحديد المجتمعات التي خضعت لحكم الكيانات والامارات التي حكمت باسم الاسلام السياسي المعاصر امثال طالبان والقاعدة وحركة الشباب وبوكوحرام وصولا الى "داعش".
منذ تقرير "الحالة الدينية في مصر" الذي أصدره عالم الاجتماع المعروف سعدالدين ابراهيم في التسعينيات الى الدراسات المسحية الجديدة تعيد هذه الدراسات تأكيد زيادة مؤشرات حالة التدين؛ وفي الاغلب كانت هذه المؤشرات تُقرأ بشكل سطحي ولا تذهب عميقا في ربطها  بتطور الحالة السياسية والصراع الاجتماعي. وفق آخر هذه الدراسات "المؤشر العربي  2016" هناك  85 % من العرب يرون أنفسهم متدينين. و38 % من هؤلاء يرون أن التدين مرتبط بإقامة الفروض الدينية والعبادات، بينما هناك  59 % ذهبوا إلى أن شروط التدين تتمثل في السمات الأخلاقية والقيمية (28 % التحلي بالصدق والأمانة، 6 % صلة الرحم ورعاية الأقارب، 6 % مساعدة الفقراء والمحتاجين). وتوضح هذه النتائج جانبا في الاختلالات الثقافية التي تربط حالة التدين بالسمات الاخلاقية والقيمية. في المقابل نرى النسبة الأكبر تعارض تدخل رجال الدين في الانتخابات واستخدام الحكومة للدين.
ويذهب مسح القيم العالمي، إلى أن المجتمعات العربية تعطي مكانة أكثر للدين في الحياة اليومية وتبين هذه الدراسة أن هذه المجتمعات تعطي أهمية كبيرة وأولوية لتعليم الأطفال الدين بحيث يتقدم هذا الأمر على أي مسألة أخرى بينما تتراجع على سبيل المثال قيمة احترام الذات إلى أدنى السلم القيمي. كان الفيلسوف الفرنسي رينان يقول إن العرب أبعد الشعوب عن الفلسفة وأبعدهم عن النظر في الروحانيات وفيما وراء الطبيعة والعالم، حيث إن الإنجازات الفلسفية التي تنسب للعرب هي في الأصل للشعوب الأخرى التي دخلت الاسلام لاحقا. وفي هذا السياق لسنا بحاجة الى التذكير بالمأثورات الاسلامية التي تتحدث عن العرب والأعراب وعلاقتهما بالتدين.
ومع الأخذ بعين الاعتبار الحقيقة التي تؤكدها الدراسات الثقافية الحديثة بضرورة الابتعاد عن تصنيف المجتمعات ثقافيا بدون الأخذ بالسياق التاريخي، فان ظاهرة التدين في المجتمعات العربية المعاصرة تحتاج الى اعادة تعريف جديد في سياق الحمولة السياسية المرتبطة بثلاثة أبعاد أساسية وهي العدالة الاجتماعية والاستبداد واستقلالية الافراد، فحينما يعم الاستبداد ويتراكم على شكل طبقات وتزداد فجوات العدالة الاجتماعية وتضمحل كينونة الافراد ويتحول المجتمع الى نمط واحد أي الى جماعة متشابهة مطيعة نعود إلى الأديان باعتبارها سياجا حمائيا لا أكثر، علينا أن نعيد التفكير في السنوات الخمس الاخيرة ثم نعيد طرح السؤال من جديد؛ هل بالفعل العرب أمة متدينة أم أمة منكوبة تاريخيا بالسياسة والاستبداد؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سياسة والدين (محمد السعود)

    السبت 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
    قراءة عميقة لظاهرة التدين والسسياسة في العالم العربي