عنزة ولو طارت

تم نشره في السبت 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:05 صباحاً

كنت أستمع قبل فترة الى مقابلة مع أحد المسؤولين السابقين، استمات خلالها في الدفاع عن قرارات كارثية كان قد اتخذها خلال وجوده في موقع المسؤولية وثبت للجميع عقمها.
ترى ما الذي يدفعنا الى التمسك بقراراتنا وخياراتنا حتى بعد أن تثبت الأحداث والنتائج خطأها، هل هو من باب العناد فقط أم أن هناك أسبابا سيكولوجية تمنعنا من التراجع ولو بأثر رجعي.
فالمنطق يفرض أن نتراجع عن قراراتنا الخاطئة في حال ثبوت خطئها، لكن الدماغ البشري مبرمج على كراهية التراجع، وهي نفس السيكولوجية التي يستغلها موظفو المبيعات في إتمام صفقاتهم حيث إنهم يعرضون على الزبون سلعة بمواصفات عالية وسعر مناسب، وبمجرد موافقة الزبون على الصفقة يبدأون بالتراجع عن بعض جوانبها، إما من حيث الإضافات أو رفع السعر معتمدين على صعوبة تراجع الزبون عن قراره المبدئي الذي اتخذه بإرادته، وهو ما يُعرف في علم المبيعات بتقنية الكرات المنخفضة low-ball technique.
فعملية اتخاذ القرار تمر بمرحلة فلترة انتقائية يجريها الدماغ لمعطيات القرار، وهذه العملية محكومة بشخصيتنا ومعتقداتنا وآرائنا، حيث يتعامل الدماغ مع المعطيات التي بنيت عليها هذه القرارت بانتقائية، فيعظّم ما يتسق معها، ويبخس تلك التي تخالفها، أو تهز قناعتنا في مدى صوابيتها، كيلا ندخل في نزاع داخلي بين قراراتنا ومعتقداتنا، وهو ما يعرف بالانحياز التأكيدي، عندما نقوم بتفسير الأحداث بطريقة تتماشى مع معتقداتنا، ونغضّ النظر عن كل ما يخطّئ قراراتنا، أو يحملنا نتيجة هذه الأخطاء.
ولا يكتفي الإنسان بالبحث الانتقائي عما يعزز قناعاته وإنما يستمر بتذكرها بطريقة انتقائية عبر ما يسمى بـ "ذاكرة متحيزة المرور" حيث إن تخزين واسترجاع المعلومات المتوافقة مع قناعاتنا يكون أسهل من تلك المخالفة لها.
القرارات التي يتخذها الفرد في حياته لا تلبث أن تصبح جزءا من معتقداته التي تحدد هويته ونظرته إلى الأمور، وأي أمر يمكن أن يهز ثقته بصواب هذه القرارات سيعامل على أنه سيهدد هويته، وهو أمر سيرفضه الدماغ.
سيكولوجية التحيز المعرفي، والانتقائية في التعامل مع المعلومات تفسر تمترسنا أفرادا وشعوبا خلف آراء ومعتقدات أثبتت الأحداث كارثيتها، وتفسر الاستقطاب الهائل الذي نشهده اليوم على كافة الصعد.

التعليق