فلنعترف بالإمكانية الحقيقية لنشوب الصراع في كوريا الشمالية

تم نشره في الاثنين 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الكوري الشمالي كيم يونغ أون مع ضباطه - (أرشيفية)

فرنسوا غودمنت* - (ريل كلير وورلد) 14/11/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

عندما يهجم الإعصار، يكون هناك سلام لحظي مع وصول عين العاصفة، لكنه لا تعدو كونه مجرد سراب. وهذا ما نحن بصدده مع كوريا الشمالية.
إننا نعتقد بأننا شهدنا الأسوأ: بيونغ يانغ أجرت اختباراً على القنبلة الهيدروجينية وأطلقت الصواريخ فوق اليابان؛ وأميركا أرسلت قاذفاتها فوق ساحل كوريا الشمالية؛ وتبادل كلا الجانبين الإهانات والتهديدات.
والآن وصلت عين العاصفة. ونحن نسمع أن الدبلوماسيين الأميركيين والكوريين الشماليين على اتصال، وترامب يتحدث عن دور إيجابي غير محدد للصين. لكن أي شعور بأنه قد تم تفادي هذه الأزمة لا يعدو كونه سراباً.
يشكل نشوب صراع من نوعٍ ما محصلة واقعية للمواجهة الراهنة. ولا يفهم هذا الواقع بشكل مناسب في أوروبا؛ حيث ينظر إلى أي نزاع محتمل على أنه شأن إما كلي أو لا شيء، وحيث تكون نهاية العالم هي النتيجة الحتمية للصدام.
ربما يصبح هذا واقع الحال بمجرد أن تمتلك كوريا الشمالية قوة نووية وباليستية موثوقة. لكنها لم تمتلكها حتى هذه اللحظة، وهو ما يفسر على وجه الدقة لما يكون اندلاع الصراع الآن أكثر احتمالاً من الحدوث في وقت لاحق، عندما ستكون التداعيات على الحلفاء الإقليميين وعلى الولايات المتحدة أكبر كثيراً من أن يخاطروا بمواجهتها.
المنطقان التوأمان للمواجهة
باعتبارها الجانب الأضعف، تستند مصداقية كوريا الشمالية وشعورها بالأمن على استعراض تقدمها العسكري باستمرار. وترى بيونغ يانغ أن وقف برنامجها النووي والباليستي في مقابل المساعدات الاقتصادية ضرب من الانتحار طويل الأجل.
على العكس من ذلك، لا تستطيع الولايات المتحدة الوقوف في موقف المتفرج، والسماح لذلك التقدم بالاستمرار في تحولاته. والآن، تفقد واشنطن مصداقيتها بسرعة وتخاطر بتشجيع خصوم آخرين، وخاصة إيران.
يتحدث معلقون عن خطر نشوب الصراع بسبب حادث ما أو سوء تفاهم بين الزعيمين أو جيشيهما. لكن الحقيقة هي أن الديناميات أعلاه توفر أرضيات وفيرة لنشوب الصراع، حتى من دون حدوث مثل هذا الخطأ.
رؤية واقعية للنزاع
بالنسبة لبيونغ يانغ، فإن تكرار التجارب النووية والباليستية الأخيرة سوف ينجز القليل. وفي الحقيقة، فإن تكرار هذه التجارب يمكن أن تؤكد الشكوك عن غير قصد إزاء العوائق المتبقية، مثل تصغير الحجم، واستدامة الطيران وإعادة الدخول.
ثمة طريقة بديلة لاستعراض التقدم، والتي تكمن في إجراء تجربة على صاروخ نووي يفضي إلى دافع إلكترومغناطيسي عالي الارتفاع، والذي يُفترض أنه سيتم فوق الباسفيكي. وسيكون من شأن ذلك عرض قدرة جديدة تحل مشكلة إعادة الدخول. (تفجير الدافع الإلكترومغناطيسي يتم في الطبقة الخارجية من الغلاف الجوي).
قد يراهن النظام الكوري الشمالي، في ضوء فشل الولايات المتحدة في تفعيل خطوطها الحمراء على نحو متكرر، على أن هذا لن يتجاوز العتبة التي تستدعي رداً مباشراً. وباستطاعته أيضاً تبرير القيام بتجربة تفجير الدافع الإلكترومغناطيسي على أساس أن الولايات المتحدة كانت قد أجرت تجارب مماثلة في أوائل الستينيات من القرن الماضي.
لكن من الصعب رؤية إدارة ترامب وهي تسمح بمرور استفزاز آخر. أما حول كيفية الرد، فإن اعتراض الصواريخ الكورية الشمالية أمر صعب، لكن باستطاعة الولايات المتحدة بالتأكيد نسف وتدمير واحدة أو أكثر من منصات إطلاق الصواريخ التابعة للنظام.
ومن شأن ضربة أميركية مباشرة تتم على التراب الكوري الشمالي دفع كوريا الشمالية إلى الرد ضد الجارة الحليفة للولايات المتحدة في الجنوب، مما يفضي إلى قصف بالأسلحة التقليدية عبر خط العرض 38. وتستطيع قاذفات نسف التحصينات والقوة الجوية الأميركية تدمير المدفعية الكورية الشمالية. ولكن، إذا كانت هذه العملية ستستغرق وقتاً طويلاً جداً للحيلولة دون وقوع إصابات جماعية في كوريا الجنوبية، فإنها تستطيع حتى اللجوء إلى استخدام الأسلحة النووية التكتيكية ضد كوريا الشمالية. ومن شأن هذا الإجراء أن يخدم كتحذير ضد إقدام بيونغ يانغ على إطلاق صاروخ نووي محتمل.
عند هذه النقطة، قد يتم التوصل إلى توقف في النهاية. لكن نظاماً كورياً شمالياً مضطرباً وضعيفاً يستطيع التعويل على النزعة الوطنية للديمومة. والمعروف عن الجيش الأميركي أنه يفضل الصحارى على الجبال، وهناك أسباب وجيهة لعدم محاولة الاحتلال.
كما أن الصين تشكل عاملاً رئيسياً أيضاً: لن يكون تواجد قوات أميركية أو كورية جنوبية في بيونغ يانغ مقبولاً عند بكين كما كان الحال في العام 1950. فإذا سقط نظام كيم -وهو حادث غير محتمل بالنظر إلى أن الصراع سيعزز شرعيته على المدى القصير- فإن الصين سوف تنخرط بشكل مباشر في المرحلة التالية. وبالمثل، إذا استمر النظام في الحكم في دولة متضائلة، سوف يكون لدى الصين المزيد من النفوذ عليها مقارنة مع الوقت الحالي، وسوف تعمد ثانية إلى الدفاع عن النظام من حيث المبدأ، بينما تهنئ نفسها بحقيقة أن كيم جونغ أون أصبح بلا أسنان.
هل سيحدث ذلك؟
سيكون السيناريو أعلاه مرعباً بالمفاهيم الإنسانية. لكنه ليس نهاية العالم النووية المفترضة التي ستكون المحصلة الحتمية لأي نزاع. وفي الحقيقة، يظل هذا السيناريو، بالنسبة للجيران مثل اليابان، أقل خطورة من الانزلاق التدريجي الراهن في اتجاه إنجاز قدرة نووية كورية شمالية كاملة.
السبب الرئيسي لضبط النفس الأميركي الراهن هو معارضة كوريا الجنوبية لأي صراع. ولكن، في حال أقدمت كوريا الشمالية على عمل رئيسي مثل إجراء اختبار على الدافع الإلكترومغناطيسي أو شن هجوم على المدنيين في كوريا الجنوبية، فإن سيئول ستغير حساباتها. وفي نهاية المطاف، سوف يشكل العمل التالي لكيم جونغ أون العامل الفيصل. وليس هذا مطمئناً بالتأكيد.
ماذا يستطيع الآخرون فعله؟
يجب على أوروبا أن تكون واعية للإمكانية الحقيقية لنشوب نزاع. وبينما يظل تشديد العقوبات وإجبار الآخرين على فعل الشيء نفسه هو الطريق الصحيح، فإنه يجب عليها أن تعي أن العقوبات المتزايدة سوف تفضي إلى تقوية منطق الصراع في بيونغ يانغ. وعلى نحو يشبه كثيراً حالة اليابان الإمبريالية في العام 1940، قد تفضل كوريا الشمالية الانخراط في صراع، حتى مع توفر فرصة ضئيلة لتحقيق الانتصار، على القبول بخنق بطيء.
يجب على أوروبا حماية الأرواح الأوروبية في منطقة خط العرض 38. وبمعالجة حيثيات هذا السيناريو المحتمل، وعبر بحث ما سيعقب هذا النزاع، سيكون من المفيد إزاحة أي شك لدى الزعيم الكوري الشمالي في أن الولايات المتحدة ستستخدم الحد الأقصى من القوة في حال المزيد من الاستفزاز.
يقول مثل ياباني قديم إنه فقط "بعد رؤية بوابات جهنم عندما يستدير المرء ويعود". وقد تكون مساعدة كيم جونغ أون على رؤية تلك البوابات بوضوح أفضل طريقة لضمان السلام.

*مدير برنامج العلاقات الخارجية في آسيا والصين في المجلس الأوروبي وزميل سياسة رفيع في المجلس.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Recognize the Real Possibility of Conflict in North Korea

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق