إبراهيم غرايبة

الصراعات تدار باتجاه إيقافها

تم نشره في الأربعاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:08 صباحاً

تستمد الصراعات سواء كانت خارجية أو داخلية وجودها واتجاهاتها من حقيقتين؛ الأطراف المتصارعة لا تستغني عن بعضها وأنها تسعى إلى تسوية تعكس المصالح المتبادلة المطلوبة؛ ويعبر الصراع عن الخلاف على هذه المصالح من غير كراهية أو رغبة في إلغاء الآخر أو إذلاله أو حتى استعدائه، وفي ذلك فإن الصراعات سواء كانت قتالا عسكريا أو تنافسا أو مواجهات سياسية أو اقتصادية اجتماعية أو ثقافية ليست سوى مباراة أو لعبة تخوضها الأطراف بهدف الفوز أو دفع الخصم إلى الموقف الملائم، وعلى هذا الأساس فإنها ليست هدفا لذاتها، وهي أيضا ليست مقدسة أو أيديولوجية، وأسوأ ما تقع فيه إدارة الصراعات هو دفعها إلى الأدلجة و/ أو التقديس ففي ذلك بداية لإفسادها وتحويلها إلى اقتصاد فجّ بل واتجار بالمقدسات التي صنعت مثل إله من تمر، والأشد خطورة من ذلك أنها تكتسب حالة من الإدامة ويزيد عنفها، ثم تمضي بعيدا عن روايتها المنشئة لتتحول إلى حالة مستقلة بذاتها، وتتشكل حولها مصالح ونخب ومؤسسات، ويكاد يستحيل إيقافها، وإن توقفت فإنها تظل راكدة تحت نيران عميقة من مشاعر الكراهية والرفض التي تجعلها قابلة للعودة مرة أخرى وفي أي لحظة أو مناسبة!
والحال أن إدارة الصراعات والخلافات في غير اتجاه وقفها والاستغناء عنها إلا بقدر ما تحقق الأهداف والمصالح الأساسية المنشئة لها يدعو إلى الريبة، فالمعارك والأزمات ليست هواية جميلة، ولا عمليات مستقلة لذاتها إلا لدى المستفيدين منها دائمةً ومشتعلة، وهؤلاء يشكلون حالة طُفَيْلِيّة خطرة أشد خطورة من الحرب والأزمات نفسها، وفي ذلك يحب تصنيفهم أعداء خطرين، أولئك المتعصبون مع أو ضد أفكار و/ أو معتقدات و/ أو مواقف دينية أو سياسية، والمحرضون في التأييد و/ أو المواجهة، والذين يصنفون المواطنين والجماعات والأمم حسب التأييد والمعارضة، وينشئون حالات ومواقف ومشاعر جماعية أو شخصية قوية من الكراهية والاشمئزاز والاستعلاء بسبب الاتفاق أو الاختلاف الديني أو السياسي، ليس ذلك في واقع الحال سوى غطاء لسر خطير.. فشل أو مرض عقلي أو خيانة أو مصالح مشبوهة.
وفي سلوك واتجاه آخر أشد خطورة ولؤما يمضي مشعلو الحرائق في المواقف والأفكار المتناقضة وينتقلون من العداء إلى المصالحة ومن التعصب إلى الاعتدال، لكن دون أن يتذكروا أنهم كانوا يعادون المواقف والجهات التي يؤيدونها ويتهمون مخالفيهم بالردة و/ أو الخيانة، ولا بأس في التغيير على أي حال، لكنه تغيير ليس مصحوبا بالاعتراف بالخطأ ولا بتغيير مشاعر الكراهية تجاه الذين صاروا مثلهم، هذا التبدل في الأفكار والمواقف دون تغيير المشاعر يثير القلق والريبة من أصحاب هذه الاتجاهات والمواقف سواء كانوا سلطة سياسية او جماعات أو أفرادا، لأن المشاعر هي التي تنشئ الأفكار، وعندما يكون تناقض بين الأفكار والمشاعر فلا بد أن الأفكار ليست حقيقية. ولا يمكن النظر بجدية واحترام إلى إفكار ومقولات الاعتدال والواقعية إلا إذا كانت مصحوبة بمشاعر معتدلة وواقعية، .. هؤلاء الذين يحملون مشاعر الكراهية والتعصب في الوقت الذي يتبنون أفكارا معتدلة ومتسامحة وتدعو الى التقبل والحوار لم يغادروا مربع الصياد الكاره والخائف!

التعليق