ولا دين يفرّقنا

تم نشره في الأربعاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

نديم البله

الرفيد تقسم السماء والأرض والهواء بين إخوة مسيحيين ومسلمين. يمتد تاريخ هذا المكان مع جذور الزيتون التي تغطي سلسلة الجبال، في شمال شرق أم قيس. جاء رمضان المبارك في فصل الشتاء القارس في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، فتعذرت فيه رؤية الشمس لأيام متتالية. حار الصائمون في ضبط وقت السحور والإفطار، فإمام المسجد مريض وقسوة برد الشتاء لم يمكناه من القيام بواجبه في رفع الأذان للصائمين المصلين. آنذاك، لم تكن الساعات السويسرية قد زينت المعاصم والجدران بعد. وسائل الإعلام لم تتعدَ المذياع الذي كان بحوزة جدي الكبير، الخوري يوسف ناصر، راعي الكنيسة.
تشاور أهل القرية فوجدوا أن مذياع جدي وجرس ساعة الكنيسة سيجديان نفعا لمساعدة الصائمين. فبعد أن تشاور جدي مع إمام المسجد، وافق على مدّ يد العون لأهل القرية. أضاف ابن القرية الذي يتقاسم وأهل القرية الأرض والزرع والفرح والحزن مهمة جديدة لمهامه، تابع أوقات الأذان المتغيرة تبعاً لبزوغ الشمس وغروبها، ليقرع جرس الكنيسة مع انطلاق الأذان في لحظة واحدة لتعلن عن بدء صيام يوم جديد من رمضان.
شلالات دماء تنسكب في اماكن كانت تعرف بكونها أجمل بلاد العالم. كان الناس يعيشون في سلام ومحبة برفقة شتى الأديان. أما الآن، فقد أصبح فهم خاطئ لتعاليم المسيح وما يدعو له دين الإسلام الحنيف السبب في الدمار والقتل وسكب الدماء. وفي بداية طفولتي، وحتى اليوم وبخاصة ما جرى لفلسطين بالاحتلال الصهيوني وتشريد الشعب الفلسطيني والحروب المتعاقبة بفعل العدو، الدولة الإسرائيلية، أصبحتُ مستغربا كيف اعتادت آذان العرب على سماع شهيق الصواريخ والقنابل. واليوم ظهرت جماعات إرهابية لتشوه سمعة دين الإسلام والناس ينظرون، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا، خوفا من الموت. فمات قبلهم آلاف آخرون حاولوا وقف الإرهاب لإرجاع السلام والأمان.
الأطفال بطبيعتهم وهم على دين الفطرة، يولدون أنقياء مثل صفحة بيضاء، يقبلون الجميع وليس لديهم شروط صعبة للاختلاط مع الآخرين، فهل من المفترض أن نكون مثلهم لكن ضللنا الطريق؟ لو أمعنّا النظر في الطبيعة، فسنجد أن التنوع والاختلاف هو سرّ جمالها، هل ستكون حياتنا أفضل وأمتع إن عشنا مثل الأطفال؟ قال الله تعالى في القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى، وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات: 13). ولهذا نهى سبحانه وتعالى عن التفرقة واحتقار الناس لبعضهم بعضا، ونبه على ضرورة المساواة بين البشر أفرادا وجماعات وشعوبا وأمما، ولهذا قال تعارفوا: أي يحصل التعارف بين الناس من قبائل ومجموعات مختلفة، وما نراه اليوم من حروب ومجازر وتلطيخ دماء في زماننا هذا لا صلة له كما ورد على لسان الشيخ محمد القاضي.
قبل عشرات الأعوام، قامت الحرب العالمية الأولى والثانية حيث قتل الملايين فكانت مجازر لا تطاق. ولم يتوقف الغرب عن صنع الأسلحة الكيماوية والنووية وكانت بلادنا العربية حقل هذه التجارب فأصبحنا وقود هذه الآلات المدمرة. وفي الزمن الراهن، تطورت الأمور فأصبحت الدول العظمى تنشر الفساد لتكسب حسن المجتمعات ورقيِّها على حساب المساكين. وأيضا واصل التجار بإرضاء عامليهم في تصنيع الأسلحة لتأمين أساسيات حياتهم. من ثم ترسل تلك الأسلحة للعالم العربي، لتكون وقود الحرب، وجلب الهلاك لسكانها. فرغم التطورالتكنولوجي ورقيّ عصرنا هذا إلّا أنّنا نرى أن تحقيق السلام من المستحيلات التي لا تنفع مصلحة هذا العالم الكبير.
ولكن للأسف مع تطور العالم أصبحنا نعيش في وطنٍ نخرت عظام تاريخه بالحروب المتواصلة، شهدنا دمار فلسطين وبغداد على يد الصهاينة ودول الغرب، اشتعال حرب سورية وليبيا واليمن، نرى الآن البلاد العربية منفصلة. ولو سألنا أنفسنا عن السبب لوجدنا الدين الذي يحث على السلام والمحبة، استُخدِم كوسيلة لجعل الإنسان يقتل أخاه الإنسان. لقد غُرست العنصرية فينا فأصبحنا نفرق بين بعضنا بعضا من خلال الدين والعرق والجنس واللون وأحيانا حتى اللباس، نسينا ما علّمنا إياه المسيح ودين الإسلام الحنيف. يقول المسيح للتعايش مع الآخرين، "كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم" (مت 12:7).
أمّا الآن، فنعيش في الواقع الأليم، حيث يحتضن عصرنا هذه الأحداث المريعة التي تدمر إنسانيتنا. نقف في هذا العالم الواسع، نحاول أن نفهم بعد الاستطلاع عمّا يجري حولنا، فنعتقد أننا بحلم أليم عندما نسمع عن غرق اللاجئين السوريين في البحر الأبيض المتوسط، في محاولة الهروب واللجوء الى الأمان. أو عن طفلة صغيرة قامت بجر قارب نجاة كامل وحدها لتنقذ عائلتها، وعندما أوصلتهم برّ الأمان، شاهدت الناس يرحبون بها بالذل والسخرية لكونها غير محتشمة.
التعايش ينبع من احترام العادات. التعايش هو تقليل الانحراف الثقافي، التعايش هو التواصل المجتمعي، هو روح التفاعل، هو السبب الرئيسي للإبداع، وهو مرحلة إذابة للفروقات. وأريد التوضيح أن في عصرنا هذا، الإرهاب الذي يحصل من المؤكد أنه نتيجة جهلٍ وقلة تقبل وتعايش، شوّه معنى الإنسانية. التعدد والتنوع ليس قدرا سيئا، بل هو مورد متجدد ومصدر للتطور والتنافس. تعدد الأعراق والآراء قوة وليست ضعفا. لقد صدق قول الممثل القدير دريد لحام: "إن قرأت القرآن أو حملت الصلبان أو عبدت الأوثان، لا شأن لي بك فذلك شأن الرحمن أما أنا فيهمني أن تكون معي مجرد إنسان".

التعليق