علاء الدين أبو زينة

استعادة الفلسفة..!

تم نشره في الخميس 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:07 صباحاً

نقول "استعادة الفلسفة" أو "استعادة الصلة بالفلسفة"، لأننا نتحدث عن جزء كان حاضراً طبيعياً في تكوين العقل العربي في فترة إشراق الحضارة العربية الإسلامية. وباستعادة الفلسفة، لا نتحدث عن استيراد كائن غريب نخاطر باستضافته ونحن لا نعرف علامَ ينطوي أهابُه. ولا نحن نقيم علاقتنا بالفلسفة من الصفر، بقدر ما نعيد النشاط إلى عضو مهمل وضامر –جوراً- من جهازنا الحيوي.
في الفترة المبكرة الحاسمة من ولادة الهوية الجديدة للأمة التي سُميت "العربية الإسلامية"، شكلت الفلسفة جزءاً عُضوياً من مُدخلات التكوين. لم يكن العاكفون على بناء الحضارة الأوائل مستغرقين في التصورات الواهمة والخزعبلات، كما يزعم بعض الداعين للعودة إلى "الأصول" التي يبدو أنهم لا يعرفونها، وإنما بذلوا جهداً واعياً لاستيراد معدات بناء العقل الجديد. ولا يشُكك عاقِل في أن ترجمة العلوم والفلسفات اليونانية، والمعارف الهندية والفارسية، كانت أساساً لما أصبحت "الحضارة العربية الإسلامية". وقد فعلت ذلك، لأنها أثَّثت العقل بمهارة الجدل ورغبة التجريب، وحررته من الخوف من مفاوضة أي آخر واستكشاف أي مجهول.
مع ذلك، هناك الذين يُصرّون اليوم على معاداة الفلسفة، ويتجاهلون دورها المهم في تكوين الذروة الحضارية التي يتفاخرون بها ويعتزّون بالانتساب إليها، وإنما بإغفال الأسباب التي صنعتها. ولا يتذكر هؤلاء إلا الفتوحات العسكرية، وكأن الأمم يمكن أن تسود عسكرياً إذا أخفقت في الفكر والعلم! أو كأنها تستطيع أن تنشر "حضارة" إذا لم تكن لها حضارة من الأساس! ولا يُقتصر هذا الرفض للفلسفة على الجُهلاء المتعصِّبين المعادين للعلم والتجريب والجدل، وإنما يتخطاهم إلى تكوينات مؤسَّسية أُدخِل في روعها أن المعرفية الفلسفية خطرة. أو أنها واعيةٌ أساساً لحقيقة أن الإنسان القادِر على المحاكمة والاستنطاق يشكل خطراً عليها لأنّه لا يعود ساذجاً أو سهل الخداع.
قد يكون مثل هذا التناسي للفلسفة مبرَّراً لدى المنظومات الرجعية السلطوية السكونيّة بالتعريف، كجزء أصيل من طبائعها. لكنَّه ليس مُبرَّراً في بلد مثل الأردن، الذي يُعرف بسعيه إلى الاعتدال والتقدُّم والتعدُّدية، وبمناهضته التعصُّب والأحَدية والجهل ورفض التنويع. ولذلكَ، يُستغرب أن الإصلاح السياسي والتعليمي والاجتماعي ما يزال يتغافل عن استعادة الفلسفة إلى التعليم المدرسي. ولا أتصوَّر أن القائمين على إنجاز مشروع وطني –لا أقل- لا يُدركون أهميّة ذلك في تقويم العقل الاجتماعي وإكسابه القدرة على الجدل والابتكار والاستكشاف والاختيار المنطقي –كل ما هو ضروري لمشروع جامع تقدمي.
لذلك، كرر أكاديميون أردنيون الأسبوع الماضي، بمناسبة يوم الفلسفة العالمي، الدعوة إلى ضرورة استعادة تدريس الفلسفة في المدارس الأردنية. وقد فعلت الجامعة الأردنية خيراً بتدريس الفلسفة كمتطلب إجباري لجميع الطلبة. ولا أعرف إذا كانت الجامعة ستفرض مساقاً واحداً، مثل مبادئ أو تاريخ الفلسفة، أو ما إذا كان مساقٌ واحدٌ سيكفي. لكنّ التعرُّف إلى الفلسفة سيجعل الكثيرين من أصحاب العقول التي فيها زاوية إشراق، يقعون حتماً في حُبّها –وهي تستحقُّ. فهي كفيلَةٌ بإحداث تغيير فاتنٍ وخلّاق في فكر صاحبها، وتمكينه من تكوين نظرة عالمية مختلفة واعية، قوامها التحليل والتركيب باستعمال المنطِق. ويصعب أن يكون في العالَم أي شيء أمتَع من ذلك.
في الأردن، الذي كان سبّاقاً إلى تدريس الفلسفة في مدارسه قبل أربعين عاماً، ستكون إعادة المواطنة للفلسفة مجرد "استعادة" فقط للعلاقة المؤسسة معها، أو "إعادة لوصل العلاقة" التي انقطع حبلُها بمشورة يصعبُ أن تكون حكيمة، ومن نفس النّوع الذي أتاح مكاناً لنمو بذور التطرف في مجتمعنا الذي بدأ منفتحاً، متحمساً ومتطلعاً إلى التقدم. كما ستكون هذه الاستعادة للفلسفة خطوة طبيعية فقط في سياق تصحيح علاقة منطقتنا مع التنوير والعلم اللذين أضاءاها ذات مرة، في مواجهة قوى الجهل التي أقصت العلِم وغيَّبت العقل.
بغير ذلك، سيكون استمرار الخوف من أي شيء يفتح العقل –والفلسفة في القلب منه- متناقضاً مع أي ادعاءٍ باعتناق مشروع وطني ناهض. وكما هو معروف، فإن الفلسفة تعني في الإغريقية –لغة الحضارة التي أسستها- "حب المعرفة". ولا شيء يبرر أن يعادي أحد "حب المعرفة"، أو التسويف في تعليم الأبناء كيف يحبون المعرفة!

التعليق