ماجد توبة

صخب يغطّي مشكلة عميقة

تم نشره في الخميس 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:04 صباحاً

أعاد الصخب، الذي رافق الحلقة الحوارية لقناة "دويتشه فيله" الألمانية، التي صُورت في عمان مؤخرا، قضية التحرش بالنساء لواجهة الاحداث والنقاشات العامة وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن الثابت بهذا الجدل أن الصخب والصوت العالي بتناول مثل هذه القضية، بل ومحاولة إنكارها ودفن الرؤوس في الرمال تجاهها، طغى عند البعض بصورة واضحة، وجرّ النقاش لمساحات سلبية وغير منتجة.
الذي يستمع لبعض الآراء بالحلقة المذكورة، ولتعليقات البعض على مواقع التواصل، يستنتج أن البعض يرفض لأسباب متنوعة الاعتراف بوجود مشكلة التحرش بالنساء في الأردن، والتي باتت تشكل ظاهرة مقيتة يقع ضحيتها يوميا في شوارعنا وأماكن تجمعاتنا عشرات ومئات النساء والفتيات، وبعضهن طفلات صغيرات، فيما يجري فعل التحرش أحيانا على رؤوس الأشهاد وللأسف!
 وبغض النظر عن دوافع رفض الاعتراف بالمشكلة، فإن النتيجة تصب في صالح تزييف النقاش العام حولها، وعدم تحلّينا كمجتمع ونخب بالمسؤولية لمواجهة المشكلة للحد من كوارثها الإنسانية والأخلاقية على المجتمع.
لن ننزلق إلى الخطابات الشعبوية الزائفة التي يحاول البعض جرّ النقاش إليها بمثل هذه القضايا، والمطلوب أن تكون هناك نقاشات هادئة ومسؤولة بالتعاطي مع أوجه الخمج الاجتماعية والقانونية والأخلاقية كما في قضية التحرش، اللفظي والجنسي، لكن وفي ذات الوقت دون مهادنة أو مواربة أو دفن للرؤوس بالرمال خشية على صورة زائفة لمجتمع مثالي يخلو من منحرفين وضالين وغير أخلاقيين، إلا إذا ادّعى البعض أن مدينة افلاطون الفاضلة اكتشفت ببلادنا!
ثمة خير وعادات حميدة كثيرة في مجتمعنا، وثمة نقاط مضيئة وطنيا وإنسانيا وأخلاقيا بين غالبية مواطنينا، وثمة كادحون وصابرون ومتفانون بتربية أسرهم وبناء حياتهم ومجتمعهم، كل ذلك لا يعني بحال أن مجتمعنا، كما كل المجتمعات، لا يحوي مجرمين وقتلة وسرّاقا وخونة وعديمي أخلاق وأغبياء وجهلة وأكلة حقوق وأموال أيتام وفقراء. في الإطار ذاته يجب أن نعترف أن بين ظهرانينا شبابا ومراهقين يفتقدون للقيم والأخلاق يمارسون فعل التحرش بنسائنا وبناتنا بالشوارع والتجمعات، وأن المشكلة باتت ظاهرة تعكس تردّيا أخلاقيا وتربويا واجتماعيا وثقافيا، بل أصبحت نوعا من الوباء بين أوساط شبابية ومراهقة.
 ليس هنا مقام التحليل العلمي لظاهرة التحرش، وقد قيل فيها الكثير وأجريت حولها دراسات وما تزال الحاجة ماسّة لمزيد من الدراسات والجهود الوطنية لمواجهتها، لكن يمكن هنا الإشارة إلى أن التحرش عندما يصبح ظاهرة فهو يعكس في جانب مهم مشكلة سيادة ثقافة استباحة الآخر والصالح العام في المجتمع أو لدى شرائح فيه، ما يرفع الحرمة الأخلاقية والقانونية لدى البعض تجاه الآخرين وتجاه المرافق العامة وتسود الغرائزية عبر العنف والتحرش والاعتداء على المال العام.
من الظلم والجهل ربط مشكلة التحرش بملابس الفتيات والسيدات، فالتحرش جريمة لا تنجو منها فقيرات ولا غنيات، محجبات ولا غير محجبات، متزوجات ولا آنسات، موظفات ولا طالبات.. بمن فيهن طالبات المدارس، فالمشكلة والدافع لهذه الجريمة ليس لدى الضحية بل لدى المتحرش الجاني، الذي لا يجد رادعا نفسيا ولا أخلاقيا في استباحة المرأة لمجرد وجودها بشارع أو ساحة عامة وبحثا عن تفريغ عقده النفسية والجنسية والفكرية.
وقد يكون الظلم الأكبر؛ هو اعتبار البعض صمت ضحايا التحرش، وهو صمت شبه عام وللأسف، دليلا على محدودية أو تلاشي المشكلة، فمجتمع ذكوري فيه الفتاة مدانة، بلبسها وخروجها للسوق وللعمل وللدراسة، حتى يثبت العكس! يدفع بهؤلاء الضحايا لتجرع الإساءات والجروح النفسية بصمت وقهر المغلوب على أمره، لكنه، أبدا، ليس صمت الموافق أو المتواطئ أو المنكر لتفشي الظاهرة! 
أكثر من ذلك، فمن حق النساء والفتيات الخوف من الحديث بشفافية عن المشكلة إذا كنّ سيواجهن بما ووجهت به الفتاة الشجاعة التي وقفت في برنامج "دوتشيه فيله" لتبث شكوى من تحرش مريض نفسي وأخلاقي بها كما هو حال الكثير من بنات جنسها!

التعليق