أغادير: نهوض من المأساة واستقطاب لعوالم الفن السابع

تم نشره في الخميس 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • جانب من مدينة "أغادير"-(الغد)

رشا سلامة

أغادير- أن تتعرض مدينة ما لكارثة طبيعية، وتنهض من الكبوة لتصل مرحلة متقدمة، إنسانيا وثقافيا، فهذه واحدة من أمارات القوة التي قلما تتأتى لمدينة مثلما أوتيتها أغادير المغربية.
لربما لم يجل في خلد من نجا من مأساة زلزال العام 1960، الذي ضرب المدينة فقضى على ما يقارب 15 ألفا من سكانها، أنها ستصحّ بسرعة لافتة، حتى تصبح قبلة سياحية على مستوى لافت عالميا، وأنها ستغدو محجاً للباحثين عن عوالم الفن السابع، وتحديدا من تخاطفتهم المهاجر منذ عقود.
احتضنت أغادير، منذ الرابع عشر حتى الثامن عشر من الشهر الحالي، مهرجان السينما والهجرة، الذي شكل بدورته الرابعة عشرة ظاهرة مميزة من مناح عدة. أولها، استقطابه أسماء عالمية ذات أصول مغربية مثل فتاح ديوري وفريد دباح وقاسم أشهبون ومليكة زايري وفؤاد شالا وغيرهم، وفي هذا فرادة لافتة؛ إذ قلّما يأتي الاحتفاء بالمبدع من أصول عربية من طرف بلاده، ما يجعل من هذه اللفتة المغربية استثنائية بامتياز.
ثانيها، جذب المهرجان، بأسلوب غير مسبوق في جل المدن العربية، الجمهور الذي كان يتدافع بشكل مستمر على بوابات العروض، التي قد يخال النقاد أنها نخبوية الطابع. ولعلّ إقبال الجمهور المغربي، بالمجمل، على الفعاليات الثقافية، حالة يجدر بها أن تتدارس، لا سيما في ظل إحجام كثير من الجماهير العربية عن الفعاليات ثقافية الطابع.
ثالثها، أن إيقاع المدينة برمّته رَفَدَ المهرجان، تماما كما رَفَدَ المهرجان المدينة؛ إذ تبدو لمتأملها كما لو أن كل فرد فيها جزء من المنظومة السياحية، بدءا من ميل ساكنيها للفعاليات ثقافية الطابع وليس انتهاء برحابة الصدر اللافتة حيال ضيوف المدينة.
لربما كانت اللغة عائقا في بعض الأحيان لغير المتحدثين بالفرنسية، لكن القاسم المشترك لجل العروض كان نسويا إنسانيا اجتماعيا ينسحب على معظم المجتمعات العالمية وليس العربية فحسب، كما في عروض كانت على مستوى لافت مثل "نقطة حياة" للمخرج الكاميروني أشيل برايس، والذي يتناول حكاية عاطفية إنسانية أتاحت للجمهور المتواجد الاطّلاع على التجربة السينمائية في الكاميرون التي كانت ضيف شرف المهرجان لهذه الدورة، وفيلم "حماد القران" للمخرج عبد العزيز أوسايح الذي يتحدث عن حكاية إنسانية في مجتمع فقير، بقالب يجمع بين الدرامية والكوميديا السوداء، وفيلم "في بلاد العجائب" للمخرجة جهان البحار، الذي يستعرض قصة تدور في منطقة جبال الأطلس، لتكون بمثابة إطلالة على بيئة تلك المنطقة وظروفها الإنسانية المنحدرة، وفيلم "لاعب الدومينو" للمخرج حكيم ترايديا، الهولندي من أصول مغربية، والذي يتناول حكاية وجدانية إنسانية في عوالم لعبة الدومينو، وفيلم "هي وهو" للمخرج الفرنسي من أصول مغربية، والذي يتناول حكاية طريفة في عالم الوظيفة ومعاييره المتناقضة في مرات كثيرة.
كان من الممكن لمدينة مثل أغادير، التي تضم ما يزيد على مائتيّ ألف نسمة حالياً، أن تغرق في المأساة وتبعاتها، منذ ستة عقود ونيف، لكنها آثرت أن تجعل من ذاتها وجهة سياحية تكاد تستأثر بالصدارة، من دون أن تنسى إحياء ذكرى من قضوا؛ إذ قلما يسرد ساكن المدينة تفاصيل عنها من دون أن تكون مفردة الزلزال هي الرئيسة، كما أن القائمين على المدينة ما يزالون يخلدون ذكرى ما سبق الكارثة وما تمخض عنها ضمن معرض ملاصق لحديقة أولهاو.
تجمع المدينة بين كلا الطابعين: الحديث والتراثي، من خلال منطقتين رئيستين قد تبدوان على طرفي نقيض، هما المارينا وسوق الأحد. الأولى قادرة على استقطاب المولعين باليخوت ومقاهي الرصيف والشاطئ الباذخة، فيما الثانية تحتضن أنموذجا مصغرا من أسواق المغرب المشهورة على نطاق عالمي، مثل سوق ساحة الفنا في مراكش، على سبيل المثال لا الحصر.
"ما يجيك إلا اللي يبغيك"، مَثَل لا ينفك أغاديريون ومغاربة كثر يردّدونه، كلما دار حديث عن الفعاليات هناك وضيوفها الآتين من كل حدب وصوب، ما يجعلها من أكثر الدول التي تبشّ في وجه ضيفها وتستدرجه لمرة مقبلة، قبل أن يفرغ من الحالية.

التعليق