التنوير: مآلات الحراكات الثقافية العربية (1 - 2)

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

هل ثمة إمكان تنويري عربي، لا سيما أننا نعيشُ ظرفاً داميـاً، يضع حيوات الإنسان العربـي من المحيط إلى الخليج على محكّ الاختبار الدموي، يوماً إثر يوم؟.
بلغة أخرى، هل نحنُ في عصر تنوير جديد، رغم كل الإحباطات والمآسي التي تحيط بنا؟
اعتبرُ التنوير سيرورة داخلية، منسجمة أساساً مع مقتضيات قانون الصيروة الإنساني ( = قانون الجدل). فالركون إلى وضعٍ ثابت وقارّ، لا ينسجم مع مقتضيات الشرط الإنساني المُتحرّك، وأنْ يتم الاصطلاح على وضعٍ لا يتحرّك فيه العقل تحرّكه الطبيعي، لا يمكن أن يكون وضعاً تنويرياً، أياً كانت مواضعاته، حتى لو كانت على أيدي أناس يدعّون التنوير. فهو فعل (هدمي/ بنائي) في الأصل، حتى وهو يجترح أبنية جديدة لأسئلةٍ حادثة في العقل البشري. بما يجعل منه فعلاً مضاداً لأيّ يقينيات ثابتة من شأنها الإضرار بمسيرة الإنسان الحضارية. فهو دائم البحث عن مخارج للمآزق التي تعاني منها الأمة، بما يجعل من فعل التنوير فعلاً ضد الموت والسكون والإجابات الأبدية.
ولقد كان للعالم العربي أن يمرّ بهذه المرحلة المُضادّة للشرط الإنساني التنويري على مدار قرون طويلة، ويدفع –نتيجة لركونه هذا- ثمناً باهظاً، ما تزال تداعياتها الكارثية تعصف به حتى هذه اللحظة. فقد ارتضى العقل الجمعي مواضعات أخيرة ونهائية لأسئلة الإنسان العربي حول كل شيء في الحياة تقريباً، ابتداءً مما تحت الذرة وليس انتهاء بما فوق المجرة. مما عطّل مسيرته الحياتية، وأهان مقدراته العقلية بالدرجة الأولى. فهو وإنْ كان موجوداً في هذا العالَم، فوجوده وجود احتياطي، قطع غيار، بالمعية، وليس وجوداً أصيلاً، فغيره يفعل وهو ينفعل، ليس إلا.
إلا أن استدراكاً لهذه الفاجعة الكبيرة، التي تمسّ الإنسان في واحدةٍ من أعمق تمثّلاته في هذا العالَم، جعلت الإنسان العربي (ممثلاً بالعقل الفردي) ينتبه إلى ضرورة تحريك الماء الآسن، الذي خنق الإمكان الإبداعي العربي، وجعله في طور الهدر وعدم الجدوى لزمن طويل. وقد كان لجملةٍ من العقول الفردية أن تعي ضرورة إعادة الإنسان العربي إلى حاضرة شرطه الوجودي، ودمجه أكثر في حراك جدلي، ينسجم أكثر مع وجوده الزمكاني. والحيلولة بينه وبين أي قوالب قارّة، لما تحمله في طياتها من تجميد للإمكان الإنساني وحصره في أذهان وأزمان قديمة، لا تنسجم بأي حالٍ من الأحوال مع الاذهان والأزمان الحالية.
ومع بدايات القرن التاسع عشر، كان الألم الحضاري قد بلغ ذروته في العالم العربي، فتلك البقايا البديعة التي اجْتُرِحَتْ في الحضارة العربية الإسلامية على المستوى الذهني إبَّان عصورها الذهبية، كانت في طريقها إلى الفناء والموت على يد العثمانيين، فلا فيلسوف ولا عالَم ولا باحث يكاد يذكر في جميع البلاد العربية، فالكلّ غارق في ظلام معرفي دامس. إذن، مع بداية القرن التاسع عشر كانت يد الظلام قد أطبقت قبضتها الحديدية على عنق العالم العربي، إلى درجة حجب الرؤية شبه الكاملة، لكن نَفَسَاً أخيراً في الجسد المُنهَك، قاومَ عمليات الخنق الحضاري، مما حدا بالأمة العربية إنجاب بعض الذوات التي سيكون لها دور محوري في إبراز سؤال التنوير إلى واجهة السجالات الفكرية. ومع نهايات القرن التاسع عشر كانت فكرة النور الجديد بإزاء الظلام القائم، قد بدأت تترسّخ في أذهان بعض الذوات الفردية، أمثال: رفاعة الطهطاوي/ إبراهيم اليازجي/ قاسم أمين/ جمال الدين الأفغاني/ محمد عبده/ عبد الرحمن الكواكبي/ محمد رشيد رضا...الخ. التي شغلتها أسئلة التحديث والتجديد، وجعلت من مهامها الرئيسية العمل على غرس أُبر الوعي المعرفي في مواضع الألم الحضاري، لغاية إحداث خلخلة في البنية الذهنية للعقل الجمعي، ونقلها من طور الثبات والظلام، إلى طور الحركة والنور.
وعليه، فقد كان الإنجاز الأكبر لهاتِهِ العقول الفردية، سواء أكانت على وعي بذلك لحظتذاك أم لا، هو تفعيل – عبر طرح مجموعة من الأسئلة الجارحة والمحرجة - القيمة العالية لناموس العقل والإمكان التحديثي الذي ينطوي عليه، لذا عملت على تفعيله في الاجتماع العربي، لكنه بقي حبيس هذه العقول إلى فترة طويلة، إلى أن تكالبت الظروف فأحالت مشروع التنوير من مشروع فردي إلى مشروع جمعي، وهذا ما سأعمل على تبيانه في المقالة التالية.

التعليق