أم محمد تجعل من فتات الخبز رزقا وأمانا - فيديو

تم نشره في الخميس 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 11:55 مـساءً
  • أم محمد - (الغد)

ديما محبوبة

السلط- في حي الجدعة الذي كان يوما طريقا للعلم، بالقرب من مدرسة سعيد البحرة التي بدئ العمل على إنشائها العام 1900، تجد عبارة "الطريق مغلق" مكتوبة على الجدار.
هذه العبارة تعبر عن وضع أم محمد المصرية التي تسكن بيتا تعلوه صفائح "الزينكو" والخبز الناشف، وبقايا أثاث وقماش، وبعض رسمات وكلمات طفولية.
عتمة البيت لا يمحوها سوى ابتسامة أم محمد، وتفاؤلها رغم كل شيء "البيت هنا براح والحمد لله واسعني وواسع عيالي"، بهذه الكلمات بدأت حديثها لـ"الغد".
بيتها المكون من غرفتين ومطبخ وحمام، تعيش فيه مع ولدين وابنتين، إضافة إلى زوجها، هذا البيت هو جدران متهالكة تأكلها رطوبة وشقوق كبيرة، يتوسطه خزان ماء قديم، يخرج منه "حنفية" هي مغسلة حمام ومكان للجلي.
على خزان الماء، تجد معادلات رياضية، تشعر أنها تبحث عن حل لأبسط معادلة، وهي معادلة الحق بالحياة، يتجاور الخزان مع حمّام يعود بك قرنا من الزمن على الأقل، فهو لا يصلح لأدنى متطلبات العيش الكريم.
أم محمد تجلس على طرف سلم، تمسك ابنها الأصغر على خصرها، تبتسم رغم بكائه الذي يدل على جوع مزمن، فهو لم يذق طعم الحليب منذ حوالي الأسبوعين، الوجبة الأساسية لنمو طفل لم يتجاوز عمره عاما ونصف.
يخلو بيت أم محمد من أي شكل من أشكال التهوية، وكأنه تحت الأرض، ما يجعل الرطوبة ورائحتها المتعفنة تضغط على مستنشقها، وبعد التجول في ذلك البيت "البراح"، على حد وصفها، تجد أن بعضا من سقفه هو عبارة عن مجموعة من الأخشاب تغطيه.
في الشتاء يدلف سقفهم بالماء من مكان، وتوزع "الطناجر" على أرضيات البيت تجمع فيها مياه المطر الذي يفترض أن يكون نعمة لا نقمة عليهم، ويجتمع أفراد العائلة في غرفة واحدة للاستفادة من حرارة مدفأة الكاز الصغيرة والوحيدة في البيت، لتكون ملجأهم في فصل الشتاء القارس في مدينة السلط.
ما يفترض أن يكون مطبخ أم محمد، به بقايا غاز وثلاجة، ورفوف خالية، وفيه قطع سجاد وفراش، وبضع كاسات مكسورة وصحون قديمة بالية، ويتوسطه حجر ضخم على قطعة من الخشب، مظلم رغم إشعال النور.
قصة الحجر، كما تروي أم محمد، هي أن "أرضية المطبخ هوت فيه، ونزلت رجلي عند الجيران تحتي، وامتلأتا بالجروح".
تعتقد أم محمد أن تلك القطع الخشبية والحجر الكبير ستحمي أطفالها من الوقوع بتلك الحفرة، التي تدل على قدم المنزل وتهالكه.
أم محمد تتحدث عن نفسها وعن زوجها، فتقول "عشنا في الأردن منذ 13 سنة، ووضعنا المالي سيئ في مصر وهنا، زوجي عامل بناء، ومرة كان يشتغل بالصاروخ انحرف وجاءت الضربة بيده".
وتكمل "ما نتج عنها إصابة بليغة جعلت من حركة يده تعمل بحدود، ولأن أجرة العامل وخصوصا المصاب غير مجزية فهي تساعد زوجها، من خلال جمع الخبز الناشف من شوارع السلط كالعيزرية وواد الأكراد والجدعة "التحتانية" وتبيع ما تيسر منه إلى رعاة الغنم؛ إذ تنهض يوميا بعد صلاة الفجر، تعمل لساعتين، ثم تعود إلى البيت لتجهيز أولادها إلى المدارس".
ابنها محمد البالغ من العمر 14 عاما يشعر نفسه مسؤولا في ظل ظروفهم المادية الصعبة، فيضحي بعطلته الأسبوعية التي تكون وقتا للترفيه أو لمراجعة الدروس لأقرانه، يجمع خلالها الخردة ويبيعها آخر اليوم، ليعود إلى البيت بدينارين بعد نحو 12 ساعة عمل.
كل هذه الظروف وقلة الحيلة لدى أم محمد وزوجها وأطفالها، لم تجعلها تتقاعس عن الإصرار على عيش كريم بعيدا عن الذل وطلب العون؛ إذ تسعى بكل بقوة إلى تعليم أطفالها وإيصالهم إلى أعلى المراتب العلمية، "أنا وأبوهم اتحرمنا من الدراسة، وهاد الشيء ما حخليه يمشي عليهم، العلم هو السلاح لهم ليعشوا بشكل أفضل من عيشتنا ديه".

التعليق