عيسى الشعيبي

قيس بن الملوّح متحرشاً

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:05 صباحاً

قبل ان نعود الى عصر قيس بن الملوح، أشهر شعراء الحب العذري في التاريخ العربي القديم، نرجع الى زمن جورج بوش الاب، الرئيس الاميركي الاسبق، وكبير احدى الاسر الرئاسية القليلة في الولايات المتحدة، لا لنعقد مقارنة ظالمة بين الشخصيتين اللتين لا تجمع بينهما صفة مشتركة، وانما كي نستهل الحديث عن ظاهرة اجتماعية واسعة النطاق، انفجرت على نحو مدوٍ في الاشهر القليلة الماضية، وشملت مختلف البلدان في العالم، بما في ذلك الاردن والبلاد العربية، اسمها ظاهرة التحرش الجنسي بالنساء.
في الاسبوع الماضي قدم الرئيس بوش الاب، للمرة الثانية، اعتذاراً الى كل امرأة اميركية اعتقدت ان العجوز على الكرسي المتحرك، قد أساء لها في يوم من الايام، وذلك بعد ان قالت سيدة اميركية اخرى ان الرجل البالغ 93 سنة قد تحرش بها، الامر الذي يعبر عن موقف حضاري، وينم عن اسف مذيّل بالاحترام للنساء عموماً، من جانب الطيار المقاتل في الحرب العالمية الثانية، وهو موقف مغاير لمعظم  الرجال الآخرين المشهورين ممن جاهرت نساء من صف النجوم اللامعة في هوليوود وغيرها، بتعرضهن للتحرش.
اعاد هذا الموقف النبيل من جانب بوش الاب، الى الذاكرة الحية صورة قيس بن الملوح، الذي ليس في وسعه تقديم اي اعتذار عن تشبّبه بابنة عمه ليلى العامرية، او اي امرأة من نساء العرب، قد يكون هذا "المجنون" قد مسها بشعره الغزلي العذب دون قصد منه، الامر الذي يرتب على واحد من المعجبين بقيس، في زمن الثورة النسوية الجديدة على الرجال، القيام بمرافعة اخلاقية عن الشاعر الذي هام على وجهه في مضارب القبائل، متغزلاً بفتاته، شاكياً جور عمه، وصده الطويل له، رافضاً تهمة اقرب ما تكون اليوم الى وصمة التحرش.
ليست الغاية من هذه المساهمة التقليل من شأن ظاهرة التحرش المدانة بكل التعبيرات الممكنة، ولا الدفاع  بالطبع عن المتحرشين الاوغاد، لا سيما وان هذه الظاهرة التي صمتت عليها النساء طويلاً، ولم يتمكنّ من تحويلها الى قضية رأي عام، الا في عصر ثورة الاتصالات الرقمية، وانما القصد هو الوقوف ضد التهويل والمبالغات، والحؤول دون استخدام هذا السلاح الفتاك على نحو انتقامي للثأر من الخصوم المحتملين، وتسوية الحسابات المؤجلة بين زميلين او جارين او غيرهما من الجنسين، او ربما لرد الاعتبار.
في تعريفي المتواضع لماهية التحرش، ارى انه فعل ذكوري طائش وسقيم، يقارفه في العادة من لديه ثروة او سلطة ما، وينقصه في الوقت ذاته كل المقومات الشخصية الاخرى الدالة على الهيبة والوقار، ولا يصدر هذا الفعل الكريه الا عن رجل فيه شيء كبير من الغرور، او قدر زائد من الاعتداد بالنفس، يجعله واهماً انه قادر على استضعاف امرأة، والنيل منها على هذا النحو او ذاك، تماماً على نحو ما تحدثت عنه بعض نجمات السينما في الغرب، وجهرت به نساء امتلكن الشجاعة الأدبية والقوة المعنوية، لإعلاء الصوت ضد المتحرشين.
هناك ايضاً نفر من المتحرشين السفهاء، ممن نراهم في الشارع وفي الكثير من الاماكن العامة، يعتدون لفظاً على عابرات السبيل، ولا يتورع البعض منهم عن الإتيان بأفعال تخدش الحياء، وهناك اصناف من الفجرة، وانواع من قليلي الادب وعديمي التربية، الذين يضمرون في انفسهم المريضة استصغاراً للمرأة ككائن بشري، ويبيحون لأنفسهم القيام بأي تصرف لا أخلاقي، هؤلاء ممن لا يردعهم رادع سوى قوة القانون، ولا يستحقون رأفة بهم في اي ظرف، او اشفاقا عليهم تحت اي اعتبار، سواء من قبل المشرع او من جانب المجتمع او البوليس.
تبقى ضرورة التفريق الدقيق بين الغزل والاطراء والملاطفة العابرة، وبين الفحش والتمادي والاعتداء بكل اشكاله ضد النساء. وقد يكون هناك بعض التصرفات غير المقصودة، او الصادرة بحسن نية، خصوصاً اذا اتت من جانب رجال كبار محترمين مثل جورج بوش الاب، والا فإن كل كلام او حوار بين الرجل والمرأة يمكن اعتباره تحرشاً، وكل قصيدة غزل ينظمها شاعر موله بحبيبته عملاً يقع في دائرة الاساءة للمرأة، حتى وان كان الشاعر العاشق من وزن قيس بن الملوح. 

التعليق