محمد برهومة

شروط المرحلة الجديدة في لبنان

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:04 صباحاً

إعلان رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، أول من أمس (الأربعاء)، تريثه في المضي بتقديم استقالته رسمياً، بعد نحو ثلاثة أسابيع على إعلانها من السعودية، وذلك تجاوباً مع طلب الرئيس ميشال عون بإجراء المزيد من المشاورات، إنما يعني أن ثمة فرصة للتهدئة لم تفُتْ بعد، وأن سُحُبَ التصعيد العسكري في لبنان وعليه انقشعت في هذه المرحلة، بعدما لبّدت سماء لبنان في الأسابيع الماضية.
قد تكون عودة الحريري إلى بيروت، وإحجامه حتى اللحظة عن تقديم الاستقالة، وخطابه الذي ألقاه في بيت الوسط، تعبيراً عن بداية مرحلة سياسية في لبنان. لقد كان ثمة انتظار كبير لعودة الحريري، وهي عودة تقاطعت مع ضغوط ومشاورات دولية وإقليمية باتجاه حماية لبنان من أن يكون ساحة لتصفية الخلافات والصراعات الإقليمية. وفي ظني أنه حتى لو كانت لحظة التهدئة هذه قد تمت في سياقات تشاورات وتفاهمات مع واشنطن وباريس والرياض وأبوظبي والقاهرة، فإن الغالب الأعم أن "التريث" مرهون بسقف زمني، وأن التريث أيضاً مرهون بـ"تعديل المسار" عبر الاستجابة لمطالب وشروط والتزامات متبادلة بين الفريق الذي يمثله حزب الله وحلفاؤه والفريق الذي يمثله الحريري وحلفاؤه. بمعنى آخر، إذا تجدد التوافق اللبناني على الدفع باتجاه الحفاظ على التسوية المحلية والإقليمية التي أنهت الفراغ الرئاسي في لبنان قبل سنة وجاءت بالحريري إلى رئاسة الحكومة، فإن هذا لن يكون كافياً وحده، ما يعني أن "التريث" سيفتح نقاشاً سياسياً في لبنان قد يتيح المجال لولادة مرحلة سياسية مختلفة، بعدما قال مؤيدو الحريري إن عودته بمنزلة ولادة سياسية جديدة له؛ حيث التريث سيكون بثمن، وحزب الله مجبر على تقديم تنازلات، تُخلّصه من المأزق الذي وضعته استقالة الحريري فيه. وعليه فإن تفهّم الحزب لأهمية تقديمه التنازلات سيمنح الفرصة للحلول الوسطى أن تأخذ طريقها إلى التنفيذ، من دون تأخير أو مراوغة أو استقواء.
المتحفظون أو المتشائمون بإنتاج تسوية بشروط جديدة في لبنان يربطون تحفظهم أو تشاؤمهم من ذلك بالقول إن عناصر التسوية اللبنانية لم تنضج بعد، ما دامت عناصر التسوية لم تنضج بعد في الجوار السوري، على وجه الخصوص. وفي ظني أن إيران، الداعمة لحزب الله، لا ترى أن في مصلحتها تأزيم الوضع في لبنان بعد الاعتراض الإقليمي والدولي على تصريحات المسؤولين الإيرانيين عن شمول لبنان بالمحور الإيراني. وعليه فإن طهران ستخضع للتنازلات، على الأقل باتجاه تثبيت مبدأ النأي بالنفس، وتجنيب لبنان أي مخاطر خارجية ستأتي إليه، ربما، في حالة إصرار حزب الله على جعل الساحة اللبنانية منبراً للهجوم على بلدان عربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.
وإذا قُدِّر للتسوية أن ترى النور، فإن المؤكد أنها ستكون مبنية على التزامات الأطراف اللبنانية كافة على صون وحدة لبنان وعروبته، ومحافظته على أفضل العلاقات مع الدول العربية. ولعلّ ذاكرة اللبنانيين، وغيرهم، تسعفهم في التنبه إلى أن الصراع العربي العربي زمن حكم الرئيس جمال عبد الناصر في الستينيات قد دفع ثمنه لبنان وغيره، وهي ذكرى نافعة لاستخلاص العبر والدروس باتجاه تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، وتأمين تنوعه وتعدده، وهذا لن يتحقق ما دامت مشكلة حزب الله قائمة، وما دام يقاتل في سورية، وما دام الحزب يعتبر أنه أداة في مشروع إيران الإقليمي، وأنه بسلاحه يمارس التكبّر على الدولة اللبنانية.
لبنان بحاجة إلى التهدئة والاستقرار، فهل يدعم حزب الله ذلك أم يسعى لعرقلته؟

التعليق