زبائن طريفون!

تم نشره في السبت 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

هل فكَّر أحد منكم قبل ذلك بتفكيك خلّاط “المولينكس” في بيته ليرى كيف يعمل!
أنا شخصياً لم أفعل، ولم أفكر حتى بتفسير آلية عمل “عيدان الكبريتة”، وأنتم، على الأغلب، كذلك!
ذلك لأنَّنا مجرد أمّة من الزبائن والمستهلكين، .. بل زبائن متأففون في أحيان كثيرة، ومتحاذقون، ولدينا اعتراضات “جوهرية” على الصناعات اليابانية والألمانية!
في العالم يعيش نوعان من السكّان : نحن، الزبائن المملّون، ونوعٌ آخر من البني آدمين؛ الذين يستخدمون عقولهم، ويصنعون الاختراع تلو الآخر لخدمة البشرية، دون أن يضعوا شروطاً على غلاف الاختراع تتعلق بلون المستفيد منه أو بدينه أو عِرقه أو جنسه!
حين لا يعجبنا تفصيل صغير في جهازٍ ما، نضعُ رِجلاً على رِجل، ونشتم ذلك الياباني ساخرين، لو أن ذلك “المتخلّف” وضع للجهاز قطعة هنا تفعل كذا وكذا .. ونروح نستفيض في الشرح عن أخطاء المصنع الياباني بثقة لا يملكها في نفسه المصنع ذاته، دون أن يفكر واحدنا للحظة واحدة أن يخرج مرة من مربّع المستهلك، وأن يضيف هو قطعة للجهاز أو فكرة صغيرة يحسّن بها استخدامه أو حتى في أضعف الإيمان أن يرسل رسالة الكترونية على “الإيميل” الموجود على كرتونة الجهاز .. التي لم نفكر مرة بقراءة تفاصيل ما هو مكتوب عليها!
حين تدخل الى مول للأجهزة الكهربائية أو الإلكترونيات أو حتى المعلبات الغذائية، يدهشك هذا التفرغ العلمي الذي يمارسه سكان الجهة الثانية من العالم، وكيف أن مجموعة من الناس تقوم فعلياً وليس مجازياً على تسهيل الحياة بل صناعتها لكل باقي سكان الكوكب. فهم يفكرون بماكنة لصنع القهوة ثم يصنعون لك ألف نوع منها، وأنت لا يعنيك سوى أن تقلب الفنجان بعد الشرب، ثم يخترعون لك ألف نوع من السيارات وأنت لا يعنيك سوى أن ترفع صوت المسجّل لتلفت انتباه الفتاة الواقفة على الإشارة!
ثم يصنعون كل هذه الأنواع من طناجر البخار وأنت لا تفكر فعلياً ولو لمرة بمبدأ عمل هذه الطنجرة!
ثمة في العالم نوعان من الاختراعات: المفاعلات النووية والطائرات المقاتلة والسيارات وأجهزة الكمبيوتر المتقدمة، .. والنوع الثاني أحذية الكعب العالي وقصاصات الأظافر وعلب “رب البندورة”، ونحن نفهم ونتفهم عدم قدرتنا على النوع الأول، لكن النوع الثاني سهل، ويمكن المساهمة فيه، ولو من باب رفع العتب، أو لنبدو على الأقل كمن يفعل شيئاً في هذا العالَم!
لكننا نواصل دورنا كمستهلكين، والمثير في الأمر ذلك التعالي الذي نتميز به على العالم، بل وعلى الأمم المخترعة، ونرسل نكاتنا الطريفة على طول قامات الصينيين أو شكل عيون اليابانيين بواسطة موبايلات لا نفكر حتى باختراع سلك الشاحن لها، أو الغلاف الجلدي الرخيص الذي لا يحتاج سوى قطعة جلد وماكينة خياط !
مئات آلاف يسهرون الآن ويكتبون المعادلات ويرسمون ويخططون للعالم، وكيف يستمر، .. بينما مئات مليارات البشر يشربون قهوتهم في أكواب لم يفكروا في عناء تصميمها!

التعليق