الإرهابيون المحترفون هم الذين يشكلون التهديد الأكبر

تم نشره في السبت 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • جنود فرنسيون يتولون الحراسة في جادة الإليزيه في باريس بعد هجمات إرهابية في نيسان الماضي - (أرشيفية)

سكوت ستيوارت - (ستراتفور) 16/11/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كتب كولين كلارك من مؤسسة راند في صحيفة "غلوب أند ميل" الكندية يوم الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، عن الهجوم الذي تم تنفيذه بمركبة في نيويورك يوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، والذي تسبب في مقتل ثمانية أشخاص وجرح 11 آخرين:
"في الولايات المتحدة فقط يأتي التهديد الأكبر من أناس موجودين أصلاً في البلد، والذين يشار إليهم أحياناً بأنهم متطرفون عنيفون ترعرعوا في الوطن. ويؤكد هجوم يوم الثلاثاء هذه الفكرة".
في مركز التنبؤات الاستراتيجية (ستراتفور)، لطالما قلت إن الجهاديين الأساسيين (الذين يشير إليهم كلاك بأنهم متطرفون عنيفون ترعرعوا في الوطن) يشكلون تهديدا دائماً ومميتاً. وفي الحقيقة، كنت قد حذرت لعدة أعوام من هشاشة الأهداف الناعمة أمام هؤلاء الإرهابيين المسلحين بأسلحة بسيطة. وفي المقتطف التالي الذي أستلُّه من عمود "ستراتفور" الأمني المؤرخ يوم 4 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2009، قرعت مرة أخرى جرس الإنذار بعد دعوة ناصر الوحيشي، قائد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، للجهاديين في الغرب إلى شن هحمات باستخدام أسلحة متوفرة لديهم أصلاً:
"لعل أكثر ملمح مثير للقلق في بيان الوحيشي، هو أنه صحيح إلى حد كبير. ويظل صنع خليط من المتفجرات البدائية سهلاً نسبياً في الحقيقة من مواد كيميائية متوفرة أصلاً -إذا كان المرء يتوافر على تدريب مناسب. ومن السهل تماماً شن هجمات باستخدام أجهزة تفجير صغيرة أو أي أسلحة أخرى متوفرة وفي متناول اليد، مثل السكاكين أو الهراوات (أو الأسلحة النارية في الولايات المتحدة) في الحقيقة. وكما لاحظ مركز (ستراتفور) منذ عدة أعوام وحتى الآن، فإنه مع تعرض بنية تنظيم القاعدة للهجوم المستمر، ومع عدم وجود فروع إقليمية تابعة للقاعدة في نصف الكرة الغربي، يأتي التهديد الجهادي الأكثر خطورة إلى الوطن الأميركي راهناً من جهاديين أصليين، وليس من مركز القاعدة. وقد تم إبطال هذا الميل عبر عدد ضخم من المخططات والاعتقالات على مدار الأعوام العديد الماضية، وليشمل الكثيرين حتى الآن في 2009".
مع ذلك، وبينما أوافق على أن الهجمات التي يشنها جهاديون من مواطني البلدان باستخدام أسلحة بسيطة هي الهجمات الأرجح تنفيذها، فإنني لا أوافق على أن تلك الهجمات تشكل التهديد "الأكبر" للولايات المتحدة -أو لباقي العالم بالنسبة لهذه المسألة.
تحديد التهديد الأكبر
من المهم وضع الخطر الذي يشكله الجهاديون المواطنون في المنظور المناسب. وتنطوي المبالغة في تصوير الخطر على الخروج بنتائج عكسية، وكذلك الأمر عند التقليل من شأن الخطر. ويندرج وصف الجهاديين المواطنين على أنهم التهديد الأكثر إماتة بالنسبة للولايات المتحدة تحت الفئة السابقة.
بالتعريف، فإن الجهاديين الأصليين هم الناس الذين تطرفوا وقرروا أن يمتثلوا للدعوة إلى شن هجوم. إنهم يفكرون عالمياً، وينفذون محلياً. لكنهم يميلون للافتقار إلى المهارات المقترنة عموماً بالناشطين المحترفين. وفي المفارقة التي تميز الجهاديين المحليين، يصعب من الأكثر صعوبة التعرف عليهم بشكل عام مقارنة بالناشطين المقترنين بتنظيم إرهابي، لكنهم يظلون أقل قدرة أيضاً على تنفيذ هجوم كبير.
ولكن، في المخطط الكبير للأشياء، لا تعتبر الوفيات الثماني خسارة كبيرة، كما أن هجمات تُشن بين الفينة والأخرى من هذا القبيل لا تشكل تهديداً وجودياً للمجتمع.
من الصعب بالنسبة لي ربط المصطلح "التهديد الأكبر" بهجوم مثل هجوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) بالشاحنة في نيويورك. ولا أريد تجاهل المآسي الشخصية التي يتسبب بها مثل هذا الهجوم لعائلات الضحايا؛ فعلى الصعيد الفردي تعتبر الهجمات كارثية. ولكن، في المخطط الكبير للأمور، لا تعتبر ثماني وفيات خسارة كبيرة. كما أن هجمات تحدث بين الفينة والأخرى من هذا القبيل لا تشكل تهديداً وجوديا للمجتمع. ويستطيع أي شخص تقريباً قيادة عربة ودهم حشد من الناس. ومن المؤكد أنه يجب بذل جهود لمنع مثل هذه الهجمات، لكن هناك ببساطة الكثير جداً من الأهداف الناعمة، والقليل جداً من الأسلحة القادرة على حماية كل شيء في وجه أي شكل هجوم محتمل. وبصراحة من السهل تماماً قتل الناس إذا رغب المرء في ذلك -خاصة إذا كان مستعداً لأن يلاقي حتفه في العملية.
بينما كان منفذو الهجمات المواطنون مسؤولين عن كل هجمات الجهاديين في داخل الولايات المتحدة منذ 11/9، فإن كل تلك الوفيات –114 حسب إحصائياتنا، بما لا يشمل المهاجمين- تظل صغيرة مقارنة مع 2977 من الضحايا الذين قتلوا في عملية اختطاف الطائرات في 11/9. ولكن، وحتى لو نحينا جانباً هجمات 11/9 كشيء شاذ، فإن التهديد من الإرهابيين المحترفين أو المهاجمين الذين يجهزهم محترفون يزيد بكثير عن ذلك الذي يأتي من الجهاديين الأصليين. وعلى سبيل المثال، كاد ريتشارد ريد، الذي أعطاه أحد المساعدين في القاعدة قنبلة في حذاء، أن يسقط طائرة الركاب التابعة لشركة الخطوط الجوية الأميركية في رحلتها رقم 197، وكان على متنها 197 من الركاب والطاقم يوم 22 كانون الأول (ديسمبر) 2001، وقد فشلت العملية. وفي يوم عيد الميلاد في العام 2009، كاد عمر فاروق عبد المطلب أن يدمر طائرة "نورث ويست أيرلاينز" في رحلتها رقم 253، والتي كانت تقل 290 من الركاب وأفراد الطاقم. وكان يحاول استخدام قنبلة مخبأة في ملابسه الداخلية أعطاها له تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. ولو نجحت كلتا المحاولتين لكان من المرجح أن تتجاوزا إجمالي عدد الوفيات التي نجمت عن كل هجمات الإرهابيين المواطنين في داخل الولايات المتحدة منذ أيلول (سبتمبر) 2001.
تلعب نفس العوامل دورها في أوروبا أيضاً. ففي باريس يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر)، قتلت خلية من الناشطين الإرهابيين الذين أرسلتهم الدولة الإسلامية (داعش) 130 شخصاً، وهو رقم أعلى من أي رقم آخر نجم عن هجمات شنها إرهابيون أصليون في فرنسا. وقتل أعضاء من نفس الخلية 32 شخصاً آخر في تفجيرات بروكسل يوم 22 آذار (مارس) 2016 قبل أن يتم تطويقهم واعتقالهم جميعاً. وبينما أسفر هجوم يوم الباستيل في العام 2016، الذي نفذه مهاجم مواطن في شاحنة بضائع عن مقتل 86 شخصاً في نيس في فرنسا، فإن ذلك الرقم يظل أقل بكثير من 162 شخصاً الذين قتلوا على يد إرهابيين محترفين في خلية باريس-بروكسل. ببساطة تامة، يشكل الإرهابيون المحترفون تهديداً أكثر حدة من الناشطين المواطنين، ولا يجب علينا أن نفقد البصيرة إزاء ذلك الخطر. وحتى مع أنهم لم يقدروا على شن هجوم ناجح ضد الولايات المتحدة في حقبة ما بعد 11/9، فإن ذلك لا يعود إلى قلة المحاولة.
على الرغم من بضع خلايا قريبة، مثل المفجرين المفترضين لطائرتي الركاب الأميركيتين، فإن القوات الأمنية أثبتت قدرتها على تحديد الناشطين المرتبطين بمجموعات إرهابية، وبالتالي  إحباط مخططاتهم. وفي الحقيقة، كان هذا هو السبب الذي وراء تبني المجموعات الجهادية مثل القاعدة و"داعش" شكل الإرهاب الذي بلا قيادة، والذي يشجع الجهاديين الأصليين على شن الهجمات. ويشعر كلا التنظيمين بالحنق لعدم قدرتهما على إدخال ناشطين إلى داخل الولايات المتحدة.
تشعبات أمنية
 لهذا الواقع تداعيات على القوات الأمنية. أولاً، يجب عليهم إبقاء تركيز متواصل على التهديد الحاد والكبير الذي يشكله كادر الإرهابيين المحترفين من "داعش" وتنظيم القاعدة على الولايات المتحدة (وباقي العالم). وسوف يستمر هؤلاء الناشطون الذين يتوافرون على أسلحة إرهاب متطورة في محاولاتهم لتنفيذ هجمات كبيرة، حيث سيزيد احتمال نجاحهم إذا أعيد تخصيص موارد الأمن ليتركز على الناشطين المحليين الأقل قدرة.
مرة أخرى، لا أقول إنه لا يجب تخصيص الموارد لمواجهة تهديد المحليين؛ لكنني أقترح ضرورنة أن يظل المتطرفون الأكثر قدرة وخطورة محل التركيز الرئيسي لجهود مكافحة الإرهاب. فالتكلفة الكارثية لتخفيف الضغط الذي يخضعون له هي ببساطة كبيرة جداً.
ثانياً، تمس حاجة الناس لأن يفهموا أن الحكومة لا تستطيع حماية كل هدف ناعم من أي هجوم محتمل، وأنه يجب عليهم اتخاذ إجراءات لحماية أنفسهم وعائلاتهم من هؤلاء المتطرفين الذين ترعرعوا في الوطن.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Professional Terrorists Are Still the Greater Threat

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق