إبراهيم غرايبة

مدن الكراهية

تم نشره في السبت 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:08 صباحاً

تستعيد المدن القائمة وخاصة العواصم والمراكز منها فلسفة الهيمنة والتنظيم الدقيق والاستعلائي للناس، هي في واقع الحال القلاع الأرستقراطية والإقطاعية معادٌ تشكيلها وتصميمها في أسلوب الحياة وتخطيط المدن والشوارع والمرافق والمدارس، وليست أزمتها اليوم سوى أزمة الكراهية، التي تشكل روحها وقصتها المنشئة، يمكن الملاحظة كيف أن الشوارع معدة ومصممة للسيارات وليس للناس، فالأرصفة غير موجودة فعليا، والحدائق العامة ألحقت بأصحاب المصالح والنفوذ ولم تعد للناس.
مدينة عمان على سبيل المثال والتي تبلغ مساحتها ألفا وستمائة كيلو متر مربع يمكن إعادة تخطيطها لتكون قادرة على توفير السكن والأسواق والمدارس والسفارات والفنادق والورش والساحات على نحو كاف وملائم في ربع هذه المساحة، ويشمل ذلك تخصيص 40 في المائة منها لتكون مخصصة للأودية والمتنزهات والغابات وسيول المياه والملاعب والحدائق العامة والمرافق السياحية والترفيهية، ومبدأ هذه المقولة فكرة بسيطة وبديهية، وهي تخصيص مائة متر مربع لكل ساكن في المدينة، ولا نحتاج لأجل أربعة ملايين نسمة أكثر من 400 كيلو متر مربع.
في صعود اقتصاد العقارات والسيارات تشكلت حاجة إلى توسعة المدن وامتدادها، لكنه اتساع لم يأخذ بالاعتبار حاجات الساكنين وأولوياتهم، مثل الأرصفة الواسعة والحدائق والمدارس والمستشفيات والملاعب وقدرة الناس على الذهاب إلى أعمالهم ومدارسهم والعودة إلى بيوتهم مشيا على الأقدام أو على الدراجات الهوائية، فذلك يتعارض مع مصالح البنوك ومراكز التسوق وتجارة العقارات والسيارات؛ ما يرجح أن التخطيط كان محكوما بدفع الناس إلى اتجاهات وأساليب حياة ليست هي ما يريدونه أو ما يفيدهم، لم تكن هذه مدنا للناس بل هي مدن لأهل المال والنفوذ، ولم تصمم على أساس انتماء الناس إليها وقدرتهم على الحياة فيها في سهولة، لكن على أساس من التجاهل بل والكراهية والعداء للناس، فالأرصفة والمولات والشركات والبنوك والأسواق القائمة تعكس الإذعان أكثر من الشراكة ولا تعود بالفائدة إلا على قلة من الناس وليس أهل المدينة.
لكن عندما يتصدع نظام اجتماعي أو اقتصادي لأي سبب يمتد الخلل إلى كل المجالات وتظهر جميع العيوب والأزمات مرة واحدة، وفي الشبكية الناشئة اليوم يتشكل وعي جديد، ولم يعد مفيدا الاستمرار في الأوضاع والمؤسسات القائمة ولا الدفاع عنها، فذلك ليس سوى إدامة للأزمة وتأجيج للكراهية والانقسام الاجتماعي، لم يعد ثمة مجال سوى لإعادة التخطيط الاجتماعي والاقتصادي للمدن والبلدات لتكون قادرة على تحسين الحياة من غير مشقة وكلفة زائدة، ولتكون مدينة أهلها جميعهم بلا استثناء لأحد، وليست مدينة قلة من الناس، وفي الفرص الجديدة في الطاقة المتجددة والقدرة على تحلية المياه وتكريرها بكفاءة عالية وإنفاق أقل أصبح في مقدور الناس أن ينشئوا مدنهم وأحياءهم معتمدين على مواردهم الذاتية وفي مقدورهم أيضا توفير الاحتياجات الأساسية في شراكة أقل كلفة وتعود بالفائدة عليهم جميعا، ولم يعد يحول دون ذلك سوى مقاومة قلة من المستفيدين من الأوضاع السابقة وتشريعات تنظيمية لم تعد تصلح او تلائم الفرص والتحولات الجديدة.
 المدن الملائمة للناس هي التي يخططونها بأنفسهم وعلى النحو الذي يعكس مصالحهم واحتياجاتهم، صحيح أن الوعي بالمدينة وحياتها تعرض لتأثيرات جعلت الناس يفكرون ويخططون ويعملون لحياتهم في اتجاه يبدو معاكسا لمصالحهم، أو في عبارة أخرى أصبح السؤال الأساسي "كيف نعيش حياتنا؟" يحكم المسارات والمواقف الاجتماعية والثقافية في اتجاه مصالح قلة من المواطنين هم أنفسهم خرجوا من المدن والمجتمعات وأصبحوا فوقها.

التعليق