البينيات التربوية: الطالب بين الاستماع والتحدث (1 - 6)

تم نشره في السبت 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • الخبير التربوي الدكتور ذوقان عبيدات -(أرشيفية- تصوير: ساهر قدارة)

د. ذوقان عبيدات *

تمهيد: في نقاش مع الأستاذ حسني عايش، تولدت الأفكار الآتية: الطالب بين الاستماع والتحدث، الطالب بين السؤال والجواب. المعلم بين الاستماع والتحدث. المعلم بين السؤال والجواب. المعلم بين تعليم المادة وتعليم الطلاب، والمادة الدراسية بين الهدف الذاتي والهدف العام.
ويلاحظ أن هذه البينيات عبارة عن خطوط مستقيمة لكل خط طرفان: ايجابي وسلبي. ولكن المشكلة هي اختلاط السلبي بالايجابي، أو قلب الأدوار!!
ففي التربية التقليدية، فإن الاستماع والجواب وتعلم الطلاب، وسيطرة المعلم على الوقت، والهدف الذاتي لكل مادة هي أطراف ايجابية، فالطالب الجيد طالب مستمع مستجيب، والمعلم الجيد هو المعلم المتحدث والسائل.
والدرس الجيد هو ما قدم للطلاب فقه المادة، بينما نرى في هذه السلسلة من المقالات خلاف ذلك!
 (1) الطالب: بين الاستماع والتحدث 
هل الطالب مستمع أم متحدث؟ أم كلاهما؟ وهل يسمح له بممارسة الدورين؟ وأي الأدوار يمارسها أكثر؟ وما المدى المسموح له بممارسة أي دور؟
في قانون التربية والتعليم الأردني رقم 3 لعام 1994، لم يرد أي اشارات للتحدث أو الاستماع. أما في المناهج فقد ورد في النتاجات المحورية للغة العربية العبارات الآتية: - توظيف اللغة في التعبير عن مشاعر الايمان بالله تعالى. - استخدام مهارات الاتصال الاستماع والتحدث (النتاجات، ص 7).
كما وردت عبارات عديدة في مهارات الاتصال: الاستماع والتحدث، ويأتي الاستماع قبل التحدث في جميع المواقع التي وردت فيها.
أما الاستماع فقد تم التعبير عنه: أن يكتب عادات الاستماع الجيد مثل الجلوس والانتباه (نتاجات اللغة العربية ص10)، وقد تكررت هذه العبارات كثيراً في الصفوف المختلفة. كما وردت في المنهج محاور الاستماع دائماً قبل التحدث.
لعل الاستماع تقنياً يسبق التحدث. فنحن نستمع قبل أن نتحدث!! ولكن هذا يعني أو قد يعني أن الحديث المبادر غير مسموح به، بل تحدث بعد أن تستمع!!
(2) ماذا يعني الاستماع قبل التحدث؟
قد يبدو من الحكمة أن يكون الاستماع أولاً قبل التحدث. ولكن وروده في المنهج المدرسي هكذا، وممارسات المعلمين الخالدة والعامة بين جميعهم تعكس ما يأتي:
- إن المعلم هو المتحدث الرئيس، وإن الطالب مستمع. - المعلم هو المبادر والطالب هو المستجيب. - المعلم هو الذي يفرض الموضوعات، والطالب مجبر على مناقشتها. - المعلم يعكس حاجات المنهج وحاجاته، ولكنه لا يهتم بحاجات الطالب. - المعلم هو من يسأل، والطالب مضطر - إذا سمح له-  بأن يتحدث في حدود السؤال.
أما إذا كان الطالب هو المبادر في الحديث، فسيغير كل مجريات الدرس، وبيئة الدرس وأهداف الدرس!! حينها ننقل من درس الضرورة إلى درس الاختيار، من درس الحشر والملل والانتظار إلى درس الحرية والمتعة.
(3) أنواع الاستماع الجيد:
وللاستماع أنواع منها:
- استماع التذوق، كأن نستمع من أجل المتعة: إلى صوت محب أو لحن ما أو عمل مسرحي أو محاضرة ممتعة. ففي هذه الحالة تستمع من أجل المتعة! فهل هذا متوافر في صفوفنا ومدارسنا؟
- استماع نشط: كأن نستمع لقراءة مشاعر وتفسير لغة جسد أو للتعاطف  أو للتشجيع، أو للحفز، خاصة حين نستمع لطفل يقدم إجابة، نساعده كي يكمل حديثه أو يخرج كلمة غابت عنه! وهذا ليس موجوداً في صفوفنا. فالطلاب ليسوا معنيين في ذلك.
- استماع نافذ: كأن نستمع لاتخاذ قرار أو اتخاذ موقف. مثل أن نستمع إلى محاضر أو عقائدي أو سياسي أو رجل دين، لنقرر موقفنا مما يقال! وهذا ليس في مدارسنا.
- الاستماع المميز: كأن نستمع الى صوت لنميز الخلل فيه. مثل صوت مريض، محرك السيارة.
- الاستماع العاكس: كأن نستمع الى نص من أجل تقديم تغذية راجعة عنه للمتحدث أو حين يطلب منا تلخيص موضوع وإبداء الرأي فيه.
- الاستماع العلاجي: كأن تستمع الى صاحب مشكلة من اجل تقديم حل له، مثل استماع المرشد الى الطالب. أو الطبيب الى المريض، ولا علاقة لطلابنا به.
(4) الاستماع في مدارسنا
إن أكثر أنواع الاستماع شيوعاً في مدارسنا هي:
- استماع استيعابي: كأن يستمع الطالب الى المعلم ليفهم منه شرحه الدرس. وهذا أكثر الأنواع شيوعاً وانتشاراً. ويعتمد نجاح ذلك على مهارات المرسل وبيئة التعلم.
- استماع ازدواجي: كأن يستمع الطالب الى ما يقوله المعلم. وما يخبره به زميله أو وهو يصغي الى حديث داخلي من ذاته، أو وهو يفكر في أمر ما غير ما يقوله المعلم.
- استماع انتقائي: كأن نستمع الى ما نرغب فيه ونهمل ما لا نريد.
إن هذه الانواع من الاستماع هي التي تحدث الملل والانزعاج عند الطالب. ولا تجعله في وضع نفسي جيد لمواصلة التعلم.
(5) بيئة الاستماع الجيد
إذا كان الاستماع مهارة يجب تعليمها للطلاب، فإن ذلك يتطلب توافر بعض المتطلبات:
1 - ان يكون الطالب متحدثاً ومستمعاً معاً. وليس مجرد مستمع.
2 - ان يتمكن الطالب من اثارة الاسئلة ولا يمنع من ذلك. فأسئلة الطلاب حتى لو كانت قطعاً لحديث المعلم ضرورة لمواصلة الاستماع الايجابي.
3 - وجوب الاتفاق على بروتوكول صفي للتحدث والاستماع يحترم حق الطالب في التحدث.
4 - ان يتخلل حديث المعلم وقفات وتأملات. وأن لا يكون الحديث منساباً كنهر متدفق دون أي انقطاع.
5 - ان لا يطول الحديث - حتى لو كان ممتعاً جداً - عن دقائق معدودة بحيث لا يستمر أكثر من خمس دقائق دون توقف أو سؤال أو وقفة تأمل... الخ.
(6) استماع أم تحدث؟
اذا كان الطالب محور العمل التربوي، واذا كانت المدرسة للطالب، فإن الطالب الجيد هو المتحدث الجيد، وليس أبداً المستمع السلبي الهادئ المطيع.
تحدث الطالب يعني حرية التعبير، والثقة بالذات واستماعه الكامل لا يعني سوى الخضوع والاجبار. وعلى المعلمين أن يدركوا هذه الحقيقة.

* مدير مركز الاستشارات والبحوث التربوية / مجتمع النهضة التربوية

التعليق