محمد أبو رمان

كلام في الهواء!

تم نشره في الاثنين 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:10 صباحاً

     رفعت الحكومة الحالية شعار "الاعتماد على الذات"، استناداً إلى توجيهات الملك، الذي تحدث عن ضرورة التفكير في هذا النهج الجديد، في ظل المتغيرات الإقليمية الكبيرة المحيطة.
      إلى الآن لم يعرف المواطنون من شعار "الاعتماد على الذات"، إلاّ الحديث عن تغيير سياسات دعم الخبز، والحديث عن تعديلات على قانون الدخل، بمعنى أنّ الشعار بدأ يكتسي بطابع سلبي لدى الرأي العام، بدلاً من أن يكون "نقطة تحوّل" حقيقية نحو المستقبل، وهو ما يشوّه هذه الفكرة الجوهرية في هذا المنعرج التاريخي الدقيق، الذي تمرّ به المنطقة، والأردن كجزء رئيس منها.
      ما نراه اليوم لا يعدو عملية تسويق لقرارات حكومية مرتبطة بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، لكن ذلك لا يكفي أبداً، لأنّ القضية لا تقتصر على 500 مليون نريد تأمينها للموازنة، ولا شهادة مصداقية من صندوق النقد من أجل الاستمرار في البرنامج الحالي، بل هي أبعد من ذلك هي عملية إنقاذ لمستقبل الأردن والأجيال القادمة، عبر "تغيير في المسار" Shifting Paradigm، سياسياً، بما يرتبط بالتحولات والمتغيرات الكبيرة داخلياً وخارجياً.
      هل هنالك مسؤولون وسياسيون يدركون أهمية وعمق الحديث عن التحول المطلوب سياسياً واقتصادياً وثقافياً التي تقابل المتغيرات الجوهرية الأخيرة، هذا أولاً، وثانياً هل هنالك فريق من السياسيين الإصلاحيين قادر على القيام بتدشين هذه المهمة التاريخية، من أجل الدخول إلى المستقبل ليس بمنطق رد الفعل، والمسكّنات، بل ونحن نملك رؤية وحلماً ولدينا أفقاً ننظر إليه في المرحلة القادمة.
     لذلك نقول إنّ المسألة ليست اقتصادية بحتة، فضلاً أن تكون مالية مرتبطة بعقلية المحاسب، بل هي سياسية واستراتيجية وتفكير في مفهوم الدولة والمواطنة؛ ومثل هذه المهمة تحتاج إلى رجال دولة وسياسيين على درجة من العمق الفكري والأهلية والكفاءة والشجاعة الأدبية، يقودون فريقاً من الفنيين لعبور هذه المحطة المهمة والدقيقة من تاريخ البلاد!
     أحسب أنّ كثيراً من السياسيين والوزراء والمسؤولين سينظرون إلى هذا الكلام بوصفه نظرياً، لكن في الحقيقة السياسسات من المفترض أن تسير في خط متوازٍ مع التنظير، لأنها بمثابة خارطة الطريق، والمسؤول الذي لا يتجاوز أرنبة أنفه في الرؤية لا يمتلك الحسّ السياسي التاريخي. وذلك للأسف واقع الحال؛ فإذا تحدّثت مع أغلب المسؤولين اليوم تجد اللغة الدارجة متشائمة محبطة، لا تجد المسؤولين والسياسيين الذين يفكّرون بوعي سياسي عالٍ يتجاوز العوائق والمعيقات الراهنة والتفكير الذي يهيمن على الحكومة بلحظة اتخاذ قرار رفع الدعم عن الخبز!
       نعود، مرّة أخرى، لمفهوم الاعتماد على الذات، فهو يعني أيضاً أولاً إعادة هيكلة سوق العمل، لإزالة اختلالات وتشوّهات غير ممكنة ولا مقبولة فيها، لدينا أكثر من مليون عامل وافد، قرابة 800 ألف لا يدفعون تراخيص عمل (كما صرّح وزير العمل)، في المقابل لدينا معدل بطالة يتجاوز الـ40 % لدى الشباب، وثانياً الثورة التعليمية الحقيقية وإصلاح التعليم الحكومي بصورة جذرية وتجسير العلاقة بين الجامعات والمدارس وسوق العمل، وثالثاً إصلاح القطاع العام ومكافحة البيروقراطية المترهلة والفساد الإداري، ورابعاً ثورة حقيقية في مجال الاستثمار وبيئة الأعمال، مع وجود مؤشرات على حالة هائلة من الركود، وخامساً تنويع خياراتنا الدبلوماسية لفتح الطرق أمام التجارة الأردنية وكسر الحصار.
     والاعتماد على الذات يتطلب عودة الحياة للحياة السياسية، وإحياء الأدوار الراكدة للبرلمان والأحزاب وإعلاماً فاعلاً، ومناظرات ونقاشات داخلية لتجذير المفهوم الجديد، ومن دون ذلك "الاعتماد على النفس" سيكون كلاماً في الهواء! 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعقيب (ابووندي)

    الاثنين 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
    السيد محمد ابورمان.... ان ما تطلعت اليه في مقالكم اعلاه يستوجب توفر الموارد البشرية اللازمة من النخب . هذا غير متوفر الان ولا بالمستقبل القريب... لنعترف اان قدراتتا محدودة والمادية منها ليست هي المقصودة.... اكثر ما نستطيع عمله هو قول الله يرحمنا برحمته .
  • »ماركة تجارية للسلطة التنفيذية (بسمة الهندي)

    الاثنين 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
    معك حق أستاذ محمد. بعلم التسويق والبيزنس هذا يسمى Branding (أظن الترجمة لها الوسم)، يعني محاولة لوسم حكومتنا بأنها حكومة الاعتماد على الذات بدل من وسمها بحكومة الجباية .. من أشطر السياسيين اليوم في استخدام الوسم Branding هو الرئيس الأمريكي ترامب ولكنه يبقى من أسوأ السياسيين في تاريخ أمريكا.