حنان كامل الشيخ

الموت من أجل المقاس!

تم نشره في الثلاثاء 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

تعرفون من المسؤول عن قتل بناتنا وسيداتنا على أسرة العمليات الجراحية التجميلية؟ قبل مبضع الجراح وحقن التخدير ونقص وحدات الدم، تقتل النساء ألف مرة من أجل مقاييس الجمال والكمال التي ابتدعتها آليات الفن والثقافة والإعلام والأزياء، بتقصد مع سبق الاصرار على وضع الأنثى تحت كومة هائلة من الأعباء النفسية والجسدية، تودي بها إلى التصديق ومن ثم الايمان، بحقيقة الجمال وفلسفته الغامضة المسجونة داخل قالب واحد، لا ثاني له!
تبا للنحافة مليون مرة وتبا لمانيكانات المحال التجارية الممشوقة الطويلة الرشيقة، الصنم وليس شيئا آخر غير الصنم يمكن أن أسميها. أصنام لا تنطق ولا تحس بمشاعر المرأة في العصر الحديث والتي يغيب عقلها بالكامل حين تهب عليها رياح المقارنة.
تجدها في أحلك أوقات العمر شجاعة قوية معطاءة حنونة جميلة، ونراها بالعكس تماما عندما تشاهد عيون الساخرين على ثناياها المكتنزة وترهلات جسدها العادية وتسمع تعليقاتهم السخيفة حول ضعف ارادتها أمام قطعة حلوى شهية!
ما الذي يقنع امرأة في أوج أنوثتها واكتمال جمالها الداخلي والخارجي، وعلمها وثقافتها وأناقتها وحنانها الفطري، أنه ثمة طريق أسهل وأسرع حتى يصير الحلو أحلى، والجميل أجمل، ان لم يكن هذا الضغط الهائل الظالم على كتفيها الصغيرتين؟
ما الذي يدفع بسيدة متزوجة أو انسة صغيرة إلى سرير الجراحة هكذا وبكل بساطة، من أجل أن تنحت أجزاء من جسدها الممتلئ ان لم تكن مؤامرة متعددة الأطراف تجاه المرأة وكينونتها وحريتها وكرامتها؟
مؤامرة حيكت بمهارة بأيادي مهرة الفن والإعلام والدواء والشعوذة الصحية الحديثة.
بضع كيلوغرامات تقلب حياة المرأة في مجتمعات هشة تقرأ الكتاب من عنوانه، وتكتفي ببعض المقتبسات لتقول عن نفسها مثقفة، ثم تستدعي من كل حدب وصوب خبرات غربية وغريبة ليست على مقاسنا، أبدا ليست على مقاسنا، وفوقها هدية مجانية اسمها الأحكام المطلقة!
"ديتوكس" مجاني بكل ما أنزل الله به من أشكال وألوان في نهاية أمره بضع أكواب من الماء الملون، حبوب تخسيس من كافة الأنواع والشركات المشبوهة تضرب مناعة الأجسام والغدد وتقلب موازين الهرمونات، جلسات تفتيت ونحت وتذويب دهون كاذبة في أصل وجهها، خلطات لاذابة الشحوم والقضاء على الترهلات مزيفة وباهظة الأثمان، من أجل ماذا؟ من أجل فساتين مستوردة لا تراعي طبيعة أجساد المرأة في مناطقنا وميراثها الجيني الذي لا ذنب لها به. من أجل نماذج منتقاة بعناية فائقة لفنانات واعلاميات ونجوم الصف الأول، يكابدن هن الأخريات ويذقن الأمرين حتى يحافظن على اطلالة فرضتها الصورة النمطية للمرأة الحقيقية. من أجل طلبات العرسان وأمهات العرسان غير الانسانية ولا الأخلاقية للتباهي أمام الناس بعروسهم الرشيقة الجميلة.
تبا لكل ذلك مرة أخرى ان كان سيودي بحياة بناتنا إلى التهلكة والرهاب والعقد النفسية والأمراض العصبية.
لا أحد في الدنيا يكره الجمال ولا الرشاقة لأنها في الأصل صحة بدنية حميدة. انما في الأصل كان النظام الغذائي المعقول، وممارسة رياضة متاحة زمنيا ومكانيا وماديا، هو الحل الوحيد والمتاح والعقلاني من أجل الحفاظ على الصحة وليس من أجل المواصفات والمقاييس الطارئة.
علموا بناتكم أن الجمال كامن في دواخلهن أكثر. ازرعوا الثقة في أنفسهن وعاملوهن كأميرات. وأنتم يا صناع الجمال الزائف في "الميديا " الخانقة، اتقوا الله!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ثقٍ بنفسك قليلاً سترين نفسك غاية الجمال! (lolo rahma alwshah)

    الثلاثاء 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
    بعيداً عن كل مقاييس الجمال! هذه الوسائل كغيرها ممن تدمر عقول الشباب والشابات تغزو مجتمعاتنا من خلال وسائل الاعلام المختلفة والتي تستهدف فئة معبنة من المجتمع ..دون الرقيب او الحسيب.
    هنا!!! الفتاة جميلة بعفتها وادبها وطهارتها وعلمها واخلاقها ونفعها لدينها ومجتمعها! لا ابرة في الجد او الجبين..او حتى في الشعر كيراتين!!!
    ثقٍ بنفسك قليلا ستراين نفسك جميلة!
  • »وماذا عن المسؤولية الطبية؟! (مواطن معني)

    الثلاثاء 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
    هل نلوم صبية أرادت أن تكون جميلة مثل كل الصبايا في العالم وعبر ما يعتبر عملية طبية غير خطرة أصبحت شائعة في العديد من الدول شرقا وغربا، وننسى المهنية الطبية المفروض الإلتزام بها كون من يجريها طبيبا مرخصا؟ متى نكف عن لوم الضحية؟
  • »ذكية وجميلة وأصيلة يا أستاذة حنان (بسمة الهندي)

    الثلاثاء 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
    مقال مهم جدا جدا حدا. اليوم في الغرب هناك حملة يقودها "العقلاء" في مواجهة موجة موضة "الجمال" الوهمية؛ تلك الموضة التي تقودها شركات مواد التجميل والقطاع الصحي الخاص وشركات الملابس وشركات المكملات الغذائية واعلام التسلية والنوادي "لصحية" ألخ
    هؤلاء العقلاء يواجهون تلك الموجة العاتية بالعلم والثقافة والفن.
    الاردن يعاني من معدلات مرتفعة للسمنة كما تشير بعض التقارير، خصوصا بين النساء، ولكن الحل ليس عند هؤلاء وانما بثقافة صحية غير مكلفة ودون مبالغة. ثقافة المشي على الرصيف جزء من الحل مثلما علم الرئيس الأمريكي كندي الشعب الامريكي الركض على الأرصفة، ومثلما هناك أرصفة للمشاة وأرصفة للدراجات الهوائية في كثير من الدول الأوروبية.
    ملاحظة أخيرة، قبل سنوات قليلة أثبت تقرير علمي (وثائقي) لمحطة البي بي سي بأن معظم المكملات الغذائية حكي فاضي وبعضها مضر بالصحة (بيزنس المكملات بمليارات الدولارات). لذلك كثير من خبراء/خبيرات التغذية الذين يظهرون على التلفزيون يشاركون في تلك "الجريمة".
    هذا لا يعني أن ليس هناك حالات خاصة تحتاج إلى علاج طبي ولا علاقة لها بالمبالغة والتكسب.